كسر فك أول طبيب حاول لمسه، أما الثاني فقد بَصَق في وجهه. لم يكن ضابط الصاعقة البحرية طارق كمال مجرد جرحى حرب، بل كان بمثابة س\لاح محبوس ينتظر لحظة الان\فجار. كان قسم الطوارئ بالكامل في المستشفى العسكري يرعد خوفاً من الغرفة 412. حتى دخلت الممرضة أميرة. كانت الممرات ذات الإضاءة الساطعة في المستشفى العسكري بالقاهرة تعج عادة بحركة منتظمة، حيث يتنقل الأطباء بسرعة بين الغرف، وتبادل الممرضات التعليمات المقتضبة، بينما تصدر أجهزة المراقبة أصواتاً منتظمة خلف الأبواب المغلقة جزئياً في الوقت الذي يبدأ فيه الجنود المصابون رحلة طويلة لإعادة ترميم أجسادهم. لكن شيئاً ما تغيير في قسم الجراحة بالطابق الرابع. كلما اقترب أحد من الغرفة 412، أصلح المكان أكثر صمتاً. تم نقل ضابط الصاعقة طارق كمال جوياً إلى المستشفى بعد عملية سرية كارثية خارج البلاد. كان تقريره الطبي قاسياً: كسور متعددة في الساقين، إصابات بالغة في الصدر والكتف، ارتجاج حاد في المخ، خطر كبير للحمى والالتهابات، حرمان شديد من النوم، وآلام تجعل أي شخص آخر يفقد وعيه. ورغم كل ذلك، لم تكن تلك الإصابات هي السبب في خوف طاقم المستشفى من دخول غرفته. كان طارق لا يزال يخوض الحرب في عقله. منذ اللحظة التي استعاد فيها وعيه، كان يتعامل مع الأطباء والممرضات والعمال وكأنهم قوات معادية: انتزع أنابيب المحاليل من وريده، رفض تناول الدواء، وقاتل كل من اقترب منه دون تحذير. الدكتور شريف، جراح العظام المعروف بكبريائه بقدر مهارته، تعلم هذا الدرس بالطريقة القاسية. دخل الدكتور شريف غرفة طارق ومد يده نحو ساقه المصابة دون أن يشرح ما يفعله. تفاعل طارق قبل أن يتمكن أي شخص من إيقافه: أمسك الطبيب من ياقته وضربه بقوة جعلت شريف يترنح إلى الخلف ويصطدم بالحيط. احتاج الأمر عدة أفراد من الأطقم الطبية لإعادة السيطرة على الغرفة. لاحقاً، وقف الدكتور شريف عند محطة الممرضات واضعاً كيس ثلج على وجهه وهو يشتعل غضباً: قال الدكتور شريف: هذا ليس مريضاً، هذا خطر على الجميع. كانت أميرة تقف على بعد خطوات تستمع إلى الكلام. في الرابعة والثلاثين من عمرها، قضت أميرة سنوات في رعاية ضباط وجنود القوات الخاصة. شاهدت الغضب من قبل، ورأت الخوف، ورأت رجالاً يستيقظون من العمليات الجراحية وهم يعتقدون أنهم لا يزالون تحت إطلاق النار. لكن طارق كان مختلفاً. كان هناك شيء في عينيه عرفته أميرة جيداً. لم يكن يهاجم لأنه يريد إيذاء الناس، بل كان يدافع عن نفسه لأنه في مكان ما داخل عقله، كان يعتقد أن المعركة لم تنتهِ بعد. قال الدكتور شريف: أبقوه تحت التخدير، لا أريده واعياً عندما أفحصه. قالت أميرة: لا يمكنك إبقاؤه مخدراً إلى الأبد. لتفت الدكتور شريف نحوها متسائلاً: قال الدكتور شريف: نعم؟ قالت أميرة: رئتاه بحاجة للتنفس الطبيعي، وجراحه تحتاج إلى رعاية منتظمة، ويجب أن يشارك بنفسه في التعافي. حدق فيها الدكتور شريف لبرهة، ثم أطلق ضحكة خالية من الفرح. قال الدكتور شريف: حسناً، استلمي حالته أنتِ. رفعت أميرة ملف طارق الطبي. قالت أميرة: سأفعل. قضت الساعة التالية في قراءة كل تقرير متاح. لم تكتفِ بملاحظات العظام أو أوامر الأدوية، بل قرأت تقرير الإخلاء الطبي، وملخص الخسائر القتالية، وملاحظات طاقم الطائرة، والتقييمات العصبي. وأخيراً فهمت. سقطت مروحية الإخلاء الخاصة بفريق طارق أثناء العملية، وقتل عدة أفراد من مجموعته. ورغم إصاباته البالغة، ظل طارق يقاتل ويحمي جثامين رفاقه حتى وصلت قوات الإنقاذ. وعندما وصل الدعم إليه، كان منهكاً، مصاباً، يعاني من الجفاف وشبه فاقد للوعي، لكنه لم يتوقف لحظة عن حماية فريقه. أغلقت أميرة الملف ببطء. كان الجميع يرون مريضاً عنيفاً، بينما كانت هي ترى رجلاً لم يستوعب جهازه العصبي بعد أنه أصبح في أمان. الأضواء الساطعة، الحركة المفاجئة، الوجوه الغريبة، الأيدي التي تمتد نحوه، والمعدات التي تظهر دون شرح... بالنسبة لعقل محتجز داخل ذكريات المعركة، لم تكن هذه الأشياء تبدو ورعاية طبية، بل كانت تبدو كوقوع في الأسر. جهرت أميرة صينية صغيرة تحتوي على ضمادات نظيفة ومحلول ملحي وماء، دون معدات غير ضرورية، ودون إبر، ودون تجمهر من العاملين. ثم اتجهت نحو الغرفة 412. كان هناك اثنان من الشرطة العسكرية يقفان في الخارج. قال أحدهم بصوت خفيض: كوني حذرة، إنه مستيقظ. أومأت أميرة براسها، ثم فتحت الباب. كانت الغرفة مظلمة. فقد أصر طارق على إبقاء خفض الإضاءة، وكان الضوء المستمر الوحيد يأتي من شاشة مراقبة العلامات الحيوية بجانب السرير. كان مستندا على الوسائد، ورغم إصابته، كان مظهره يبعث على الهيبة: كتفان عريضان، ذراعان قريتان، ووجه يحمل آثار الكدمات والإرهاق. استقرت عيناه على أميرة في اللحظة التي دخلت فيها، واشتدت قبضته اليمنى. وقفت أميرة على بعد عدة أقدام من السرير. قالت أميرة: يا سيادة الضابط طارق. لم يأتها رد. قالت أميرة: أنا أميرة، الممرضة المسؤولة عن حالتك. استمر طارق في التحديق فيها. لم تتقدم أميرة نحوه مباشرة، بل تحركت ببطء نحو الطاولة الجانبية. قالت أميرة: أنا أتحرك إلى يسارك، وأضع الصينية على الطاولة. وضعتها برفق. قالت أميرة: لست هنا لمفاجأتك، ولن ألمسك دون أن أخبرك أولاً. جاء صوته أخيراً من الظلام. قال طارق: اخرجي من هنا. قالت أميرة: لا أستطيع فعل ذلك. اشتدت فكاه. قال طارق: قلت لكِ اخرجي. ظلت أميرة في مكانها. قالت أميرة: ضمادة كتفك بحاجة إلى تغيير، وإذا زاد الالتهاب ستواجه مشكلة أكبر بكثير. تحرك طارق بألم، فتسارعت نبضات قلبه على شاشة المراقبة، وتأوه مكتوماً لكنه رفض إخراج أي صوت. لاحظت أميرة شيئاً مهماً: كان ينتظر منها أن تندفع نحوه، لكنها لم تفعل. قالت أميرة بهدوء: معدل ضربات قلبك يرتقع، أنا سأبقى هنا في مكاني. ضاقت عيناه. قالت أميرة: أنت الآن في المستشفى العسكري بالقاهرة، أنت في أمان. قال طارق: كاذبة. كلمة واحدة فقط، لكنها كشفت لأميرة كل شيء: لم يكن يصدق كلياً أنه في مستشفى مصري. لذا غيرت أميرة طريقة إدارة الغرفة بالكامل. قبل الدخول، كان الطاقم يطرق الباب. قبل لمس طارق، كانوا يشرحون له بالضبط ما ينوون فعله. قبل تحريك أي معدات، كانوا يخبرونه إلى أين تتجه. تجنبت أميرة أي حركة مفاجئة، وقللت الضوضاء، وكلما أمكن، كانت تترك لطارق حرية اتخاذ قرارات صغيرة بشأن رعايته: "هل نبدأ بالذراع اليسرى أم الكتف؟" "هل تريد فتح الستائر؟" "هل تشرب الماء قبل الدواء أم بعده؟" خيارات صغيرة، لكنها كانت تعني الكثير. ولأول مرة منذ إخلائه، شعر طارق بنوع من السيطرة. خلال الأيام التالية، بدأ الشيء يتغير: توقف عن محاولة ضرب أميرة، ثم توقف عن أمرها بالخروج، وفي النهاية سمح لها بتغيير ضماداته. لكن كان هناك شيء واحد واصل رفضه قاطعاً: النوم. كل صوت كان يجبر عينيه على العودة إلى الباب، كل صوت غير مألوف كان يشنج كتفيه، وكلما بدأت جفونه تسترخي، كان ينفض نفسه ليستيقظ مجدداً. عرفت أميرة أن الإرهاق أصبح يشكل خطراً لا يقل عن إصاباته. وفجأة في إحدى الليالي، انهار كل شيء. ارتفعت حرارة طارق بشكل مفاجئ، وقزت نبضات قلبه، وبدأت أجهزة المراقبة تطلق أجهزة الإنذار. سمع الدكتور شريف الأصوات من الممر، وتجاهل النظام الذي وضعته أميرة بعناية، واندفع نحو الغرفة 412 مع طاقم إضافي. انفتح الباب بحدة، وغمر ضوء الممر الساطع أرجاء الغرفة. قال الدكتور شريف: ثبتوه جيداً! انفتحت عينا طارق بفزع. ثلاثة أشخاص يتقدمون نحوه، أحدهم يمتد يده نحو ذراعه، وآخريتحرك نحو أنبوب المحاليل، والأصوات تتداخل بينما يصرخ جهاز المراقبة. بالنسبة للجميع، كانت هذه حالة طوارئ طبية، أما بالنسبة لعقل طارق المصاب، فقد كان هذا كميناً محكماً. قال طارق: لا! انتفض قاعداً، وحاول أحد العمال تقييد معصمه، لكن طارق انتزع يده بقوة، فسقطت المعدات على الأرض وانفك أنبوب المحاليل. قال طارق: ابتعدوا عني! قال الدكتور شريف: استدعوا الأمن فوراً! تراجع طارق إلى أقصى نقطة يسمح بها السرير، وهو يتنفس بصعوبة ويحدق في الموجودين حوله وكأن لا أحد منهم ينتمي إلى مستشفى. في تلك اللحظة وصلت أميرة إلى الباب. قالت أميرة: توقفوا! التفت الجميع نحوها. قالت أميرة: اخرجوا جميعاً. حدق فيها الدكتور شريف. قال الدكتور شريف: إنه فاقد للسيطرة! قالت أميرة: أنتم تجعلون الأمر أسوأ. قال الدكتور شريف: قد يؤذي أحداً! قالت أميرة: قلت اخرجوا من الغرفة. قال الدكتور شريف: يا أميرة... قالت أميرة: الآن! شيء ما في نبرة أميرة جعلهم يتحركون أخيراً. واحد تلو الآخر، تراجع الطاقم نحو الممر، وتبعهم الدكتور شريف وهو يغلي غضباً. خطت أميرة إلى الداخل، ثم أغلقت الباب... وأقفلت بالمفتاح. ساد الصمت في الممر. داخل الغرفة 412، كان طارق يتنفس بصعوبة، وعيناه المحمومتان مثبتتان على أميرة. لكنها كانت تعلم أنه لا يراها بحق، بل كان في مكان آخر... على بعد آلاف الكيلومترات. قال طارق محذراً: ابتعادي. رفعت أميرة يديها الفارغتين. قالت أميرة: لن أقترب أكثر. كان جسده بالكامل يرتجف، ثم همس بكلمات جعلت الدم يتجمد في عروق أميرة. قال طارق: الاسم، الرتبة، الرقم العسكري... هذا كل ما ستحصلون عليه مني. هوى قلب أميرة. الآن فهمت كل شيء: لم يكن طارق يعتقد أنه في القاهرة، بل كان يعتقد أنه سقط في الأسر. وهي الآن قد أغلقت الباب على نفسها معه داخل الغرفة. لم تكن تستطيع التغلب عليه بالقوة، ولا مفاجأته بالدواء، ولا استدعاء رجال الأمن دون أن تجعل الوضع كارثياً. ثم تذكرت أميرة شيئاً أخبرها به شقيقها الأكبر منذ سنوات... عبارة، بضع كلمات غريبة يقال إنها معروفة فقط بين رجال العمليات الخاصة في أوقات الكوارث... كلمات تُستخدم عندما تخرج المهمة عن السيطرة تماماً، كلمات لا يتمنى أي ضابط سماعها أبداً. لم تستخدمها أميرة من قبل، ولم تكن تعرف حتى ما إذا كان طارق سيتعرف عليها أم لا. لكنه كان يحدق فيها الآن وكأنها العدو. ولم تكن تملك سوى فرصة واحدة. أنزلت أميرة يديها ببطء، ونظرت مباشرة في عيني طارق، ثم نطقَت... قال أميرة: يا سيادة الضابط طارق... تجمد طارق في مكانه. سحبت أميرة نفساً واحداً، ثم قالت الكلمات التي حذرها شقيقها من نسيانها أبداً... يتبع... المرفأ مظلم.. وكورونادو نائمة. تجمد طارق في مكانه. ولثانية واحدة طويلة، لم يكن هناك أي صوت في الغرفة 412 سوى أنفاسه المتهدجة ونبضات جهاز المراقبة المنتظمة. اتسعت عيناه، واسترت القبضة المشدودة في يده. لم تتحرك أميرة. كررت أميرة بصوت خفيض: المرفأ مظلم.. وكورونادو نائمة. تغير شيء ما في وجه طارق؛ لم يكن التغيير دفعة واحدة، بل بدأ بحيرة، ثم إدراك، ثم شيء أكثر إيلاماً بكثير. تحركت عيناه بعيداً عن أميرة، وجال بنظره بين الجدران، ومعدات المستشفى، وأغطية السرير، والضمادات الملفوفة حول جسده. وببطء شديد وبشكل مؤلم، عادت الحقيقة إلى عقله: لم يكن خارج البلاد، ولم يكن مأسوراً، ولم يكن يدافع عن فريقه، بل كان في المستشفى العسكري بالقاهرة، أما الرجال الذين قاتل بجانبهم فقد رحلوا. انهار طارق إلى الخلف على الوسائد. طوال الأيام الماضية، كانت أميرة تراه غاضباً، متحدياً، مشتبهاً فيمن حوله، ومرعوباً، لكنها لم تره يبكي أبداً... حتى هذه اللحظة. قال طارق وهو يهمس: لقد ماتوا. انتظرت أميرة دون أن تقاطعه. انكسر صوته وهو ينادي أnames رفاقه: حسام... زياد... شريف. ابتلع غصته وأغلق عينيه بشدة. قال طارق: لم أستطع إنقاذهم. اقتربت أميرة ببطء نحو السرير. قالت أميرة: سأضغط على ذراعك عند مكان المحلول الذي انفك. لم يقاومها طارق. ضغطت أميرة بقطعة شاش نظيفة على الموضع. قال طارق: كان ينبغي عليّ إخراجهم. قالت أميرة: لقد بقيت معهم. قال طارق: لم أكن سريعاً بما يكفي. قالت أميرة: كنت مصاباً أنت أيضاً. قال طارق: هذا لا يهم. قالت أميرة: بل يهم. نظر إليها طارق. قالت أميرة: لقد صمدت في الموقع وحميتهم حتى وصلت القوات المساندة، أنت لم تتخلَّ عنهم. انقبضت ملامح وجهه. قال طارق: لكنهم ماتوا في النهاية. لم تكن لدى أميرة إجابة يمكنها أن تخفف ذلك الألم، لذا لم تمنحه إجابة زائفة، بل اكتفت بالبقاء إلى جانبه. كانت تلك الليلة هي نقطة التحول. على مدار الأيام التالية، سمح طارق للفريق الطبي برعايته: انخفضت حرارته، وبدأ الالتهاب يستجيب للعلاج، وتقبل تناول أدويته، وأصبح ينام لفترات قصيرة. وعندما كان الأطباء يشرحون له ما ينوون فعله، كان يتجاوب معهم. وكلما شعر بنوبة هلع تداهمه، كانت أميرة تعلمه كيف يتعرف على الأشياء الملموسة من حوله ليعود إلى الواقع: المستشفى... النافذة... السرير... أميرة... الوقت الحالي. كان التغير مذهلاً، لكن الدكتور شريف لم يكن مقتنعاً، كما أنه لم ينسَ تعرضه للهجوم. في أحد الصباحات، وصلت أميرة إلى محطة الممرضات لتجد الدكتور شريف يوقع على كومة ثقيلة من الأوراق. قالت أميرة: ما هذه الأوراق؟ لم يرفع الدكتور شريف رأسه. قال الدكتور شريف: وثائق نقل. قالت أميرة: لطارق؟ قال الدكتور شريف: نعم. اقتربت أميرة خطوة. قالت أميرة: نقل إلى أين؟ قال الدكتور شريف: إلى مصحة نفسية مغلقة. تصلبت ملامحها. قالت أميرة: حالته تتحسن. قال الدكتور شريف: لقد اعتدى عليّ. قالت أميرة: كان يعاني من تشوش حاد في الذهن. قال الدكتور شريف: لقد أصاب فرداً آخر من الطاقم. قالت أميرة: كان يعاني من ارتجاج بالمخ، وحرمان شديد من النوم، وحمى، وصدمة قتالية حادة. نظر إليها الدكتور شريف أخيراً. قال الدكتور شريف: إنه يشكل خطراً. قالت أميرة: لم تقع منه أي نوبة عنف واحدة منذ أن غيرنا طريقة التعامل معه. قال الدكتور شريف: لا يهمني ذلك. حدقت فيه أميرة. تابع الدكتور شريف كلامه: هناك لجنة طبية عسكرية ستنعقد بعد الظهر، وإذا وافق اللواء خالد على توصيتي، فسيتم نقل طارق الليلة. شعرت أميرة بغصة باردة في حلقها. توجهت مباشرة إلى الغرفة 412. كان طارق مستيقظاً ينظر عبر النافذة. عندما شرحت له ما يخطط له الدكتور شريف، لم يغضب، وهذا ما أخافها أكثر؛ بل اكتفى بإغلاق عينيه. قال طارق: ربما يكون على حق. توقفت أميرة. قالت أميرة: ماذا تقول؟ نظر طارق نحوها. قال طارق: أنا اعتديت على الناس. قالت أميرة: كنت مريضاً ومشوّشاً. قال طارق: لا أستطيع إغلاق عيني دون أن أسمع أصواتهم. ثم انخفض صوته: أشم رائحة الوقود المحترق حتى عندما لا يكون هناك شيء. سحبت أميرة كرسياً واقتربت. قالت أميرة: هذا يعني أنك بحاجة إلى العلاج والمساعدة، لا يعني أنك ميؤوس منك. أطلق طارق ضحكة متعبة. قال طارق: أنتِ لم تريني عندما أحضروني إلى هنا. قالت أميرة: رأيت ما يكفي. قال طارق: كنت وحشاً. قالت أميرة: لا. التقت عيناه بعينيها. قال طارق: إذن ماذا كنت؟ فكرت أميرة بعناية قبل أن تجيب. قالت أميرة: كنت رجلاً مصاباً يعتقد أن الحرب لم تنتهِ بعد. ساد الصمت. ثم طرح طارق السؤال الذي كانت تتوقعه. قال طارق: لماذا تهتمين كل هذا الاهتمام؟ نظرت أميرة إلى الأسفل لبرهة. قالت أميرة: شقيقي عاد من الخدمة شخصاً مختلفاً. لم يقل طارق شيئاً. قالت أميرة: لشهور طويلة، لم يستطع أيمن النوم على سرير، كان ينام على الأرض لأن المرتبة كانت تجعله يشعر بأنه محاصر، وكان صوت فرقعة محرك السيارة يجعله يلقي بنفسه على الأرض قبل أن يفهم ما حدث. نظرت مجدداً إلى طارق. قالت أميرة: كان الناس يطالبونه طوال الوقت بأن يتصرف بشكل طبيعي. انقبض فك طارق. قالت أميرة: لم يكن مكسوراً، بل كان يحمل شيئاً لا يستطيع أي شخص آخر رؤيته. بقيت الكلمات المعلقة بينهما. ثم مالت أميرة إلى الأمام. قالت أميرة: في الساعة الثانية، سيدخل اللواء خالد من هذا الباب وهو يتوقع تقييم مريض غير مستقر. نظر طارق بعيداً. قال طارق: لدعيه يفعل. قالت أميرة: لا. ارتفعت نبرة صوت أميرة قوةً: لقد نجوت من العملية القتالية... والان انجُ من هذا. في تمام الساعة الثانية، انفتح باب الغرفة 412. دخل الدكتور شريف أولاً، وخلفه اثنان من الشرطة العسكرية واللواء خالد يحمل الملف الطبي لطارق. نظر الدكتور شريف نحو السرير، ثم توقف. كان طارق يجلس منتصباً، والستائر مفتوحة وأشعة الشمس تغمر الغرفة. كانت أميرة قد أحضرت له ملابس رياضية نظيفة خاصة بالقوات البحرية، وكان شعره مصففاً ولحيته مهذبة. ورغم ألم ساقيه، كان ظهرُه مشدوداً. خطا اللواء خالد إلى الداخل. أدى طارق التحية العسكرية بإنضباط. قال طارق: يا سيادة اللواء. توقف اللواء خالد لبرهة، ثم رد التحية. قال اللواء خالد: استريح يا سيادة الضابط. أنزل طارق يده. فتح اللواء خالد الملف. قال اللواء خالد: هناك طلب مقدم لنقلك إلى مصحة نفسية مغلقة. قال طارق: علم يا أفندم. قال اللواء خالد: التقرير يفيد بأنك اعتديت على الأطقم الطبية. قال طارق: تمام يا أفندم. عقد الدكتور شريف ذراعيه. درس اللواء خالد ملامح طارق. قال اللواء خالد: فسر لي ما حدث. أخذ طارق نفساً منتظماً. قال طارق: عندما وصلت إلى هنا، كنت أعاني من إصابة دماغية، وحرمان شديد من النوم، وآلام غير مسيطر عليها، والتهاب تسبب لاحقاً في حمى عالية. استمع اللواء خالد باهتمام. قال طارق: تعرضت لنوبات من فقدان التوجيه نتيجة اللمس المفاجئ والضوضاء واقتراب أشخاص غير مألوفين دون تحذير. قاطع الدكتور شريف الكلام: لقد كان عنيفاً. رفع اللواء خالد يده. قال اللواء خالد: دعه يكمل. تابع طارق: منذ أن طبقت الممرضة أميرة نظاماً يراعي طبيعة الصدمة القتالية، لم تقع مني أي نوبة عنف أخرى. نظر اللواء خالد إلى التقرير. قال اللواء خالد: هل تعرف أين أنت الآن؟ قال طارق: في المستشفى العسكري بالقاهرة. قال اللواء خالد: ما الذي حدث لك؟ قال طارق: تعرضت مجموعتي لحادث إخلاء كارثي أثناء عملية قتالية، وأصبت بكدمات وإصابات عظمية وعصبية والتهابات. قال اللواء خالد: هل تظن أن أحداً في هذا المستشفى يحتجزك كأشير؟ قال طارق: لا يا أفندم. قال اللواء خالد: هل تظن أن الممرضة أميرة عنصر معادي؟ ولأول مرة، مرت على وجه طارق ابتسامة خفيفة تقارب الدعابة. قال طارق: لا يا أفندم. أغلق اللواء خالد الملف. تقدم الدكتور شريف إلى الأمام. قال الدكتور شريف: يا سيادة اللواء، هذا الرجل كان منذ ثلاثة أيام خارجاً عن السيطرة تماماً! نظر إليه اللواء خالد. قال اللواء خالد: وكيف كان تصرفه منذ أن غيرت الممرضة أميرة بروتوكول العلاج؟ تردد الدكتور شريف. قال الدكتور شريف: هذا لا يغير من الأمر شيئاً. قال اللواء خالد: بل يغير الكثير. انقبض فك الدكتور شريف. نظراً اللواء خالد مجدداً إلى طارق. قال اللواء خالد: الضابط طارق بحاجة إلى متابعة نفسية وتأهيلية بلا شك. أومأ الدكتور شريف برأسه فوراً. قال الدكتور شريف: بالضبط. تابع اللواء خالد: لكن العلاج والتأهيل ليس معناه الاحتجاز الإجباري، طلب النقل مرفوض. قال الدكتور شريف: يا سيادة اللواء... قال اللواء خالد: قلت مرفوض. ساد الصمت في الغرفة. قال اللواء خالد: سيبقى الضابط طارق هنا لاستكمال الاستقرار الطبي والتأهيل البدني، وسيتم ضم أخصائي في صدمات الحروب إلى فريق علاجه. ثم التفت اللواء خالد نحو الدكتور شريف. قال اللواء خالد: وأوصي بأن يتبع جميع من يتعامل معه البروتوكول الذي أثبت نجاحه بالفعل. بدا الدكتور شريف غاضباً للغاية، لكنه لم يستطع اعتراض القرار، فاستدار وخرج، وتبعه أفراد الشرطة العسكرية. بقي اللواء خالد لبرهة، واقترب من سرير طارق. قال اللواء خالد: لقد قرأت التقرير الميداني. تغيرت ملامح طارق. قال اللواء خالد: لقد بقيت مع رجالِك. قال طارق: نعم يا أفندم. قال اللواء خالد: وعدت بهم معك. ابتلع طارق غصته. قال طارق: نعم يا أفندم. أومأ اللواء خالد ببطء. قال اللواء خالد: لقد أديت واجبك هناك في الميدان على أكمل وجه. ثم نظر مباشرة في عيني طارق. قال اللواء خالد: والآن واجبك هو أن تعود بنفسك إلى الوطن. قبل أن يغادر، التفت نحو أميرة. قال اللواء خالد: عمل ممتاز يا ممرضة أميرة. عندما أُغلق الباب، سمح طارق لنفسه أخيراً بالاسترخاء على الوسائد وزفر بقوة. ثم نظر إلى أميرة. قال طارق: شكراً لكِ. ابتسمت أميرة. قالت أميرة: أنت من قام بالجزء الصعب. قال طارق وهو يضيق عينيه قليلاً: لا... هناك شيء لا أزال لا أفهمه. انتظرت أميرة. قال طارق: تلك العبارة. عرفت أميرة فوراً ما يعنيه: "المرفأ مظلم.. وكورونادو نائمة". حدق فيها طارق. قال طارق: كيف عرفتها؟ اختفت ابتسامة أميرة، وببطء مادت يدها تحت رداء التمريض وأخرجت قلادة عسكرية قديمة تحمل اللوحة المعدنية للتعريف (الـ Dog Tag). قرأ طارق الاسم المكتوب عليها: أيمن. تغيرت ملامح وجهه بالكامل. قال طارق: أيمن؟ قالت أميرة: شقيقي الأكبر. حدق فيها طارق ذهولاً. تابعت أميرة: كان ضمن مجموعة الدعم والإنقاذ التي وصلت إليكم. توقف نفس طارق لثانية. قال طارق: غير معقول. قالت أميرة: جاء لرؤيتي قبل وصولك إلى المستشفى بوقت قصير، وأخبرني أنهم وجدوا ضابط صاعقة شبه فاقد للوعي، مصاباً بجروح بالغة، ويرفض تماماً ترك جثامين ثلاثة من رفاقه. امتلات عينا طارق بالدموع. قالت أميرة: قال لي إنهم لم يستطيعوا الاقتراب منك في البداية. بدأت ذكريات الضباب تتضح خلف عيني طارق. قال طارق: هل كان أيمن هناك؟ أومأت أميرة. قالت أميرة: أخبرني أن فريق الإنقاذ استخدم العبارة السريّة التي تعرفونها حتى تفهم أنهم ليسوا العدو. نظر طارق بعيداً. قال طارق: المرفأ مظلم... أكملت أميرة: وكورونادو نائمة. أغلق طارق عينيه. جلست أميرة بجانبه. قالت أميرة: شقيقي قال لي شيئاً آخر. نظر إليها طارق. قالت أميرة: قال إنه لم يرَ أحداً يقاتل بكل هذه الشراسة لحماية الآخرين. ارتجف فم طارق. قالت أميرة: قال إنك أشجع رجل قابله في حياته. جاءه الرد فوراً. قال طارق: لا... أنا خذلتهم. مدت أميرة يدها نحو معصمه غير المصاب. قالت أميرة: لا يا طارق. التقت عيناه بعينيها. قالت أميرة: كنت درعهم الحامي حتى اللحظة الأخيرة. انكسر شيء ما داخله. خفض طارق رأسه وانفجر في البكاء. بكى على حسام... وعلى زياد... وعلى شريف... وعلى كل ما حدث قبل وصول المروحية... وعلى كل ما حمله في قلبه بعد ذلك... وأخيراً، بكى على نفسه. لم تطلب منه أميرة أن يتوقف، ولم تطلب منه أن يكون قواياً، بل ظلت بجانبه فقط. مرت الأشهر. كان التعافي بطيئاً؛ خضع طارق لعمليات جراحية وتأهيل بدني وجلسات علاج نفس صدمات المعارك. كانت هناك أيام جيدة وأخرى صعبة. ولكن في النهاية، جاء اليوم الذي انفتحت فيه الأبواب الإلكترونية للمستشفى العسكري، وخرج طارق إلى ضوء الشمس. كان يعتمد على عصا، وكتفه لا يزال يتسم ببعض التصلب، وساقاه تحملان آثار ما حدث، فالندوب لن تختفي تماماً. لكن عينيه كانتا مختلفين: واضحتين، حاضرتين، ومفعمتين بالحياة. بالقرب من المدخل، كانت أميرة تقف وفي يدها كوب من القهوة. سار طارق نحوها. وقفا يواجهان بعضهما لعدة ثوانٍ، ثم ابتسم طارق ابتسامة حقيقية. جذبها إلى عناق قصير. قالت أميرة: اعتني بنفسك يا سيادة الضابط. تراجع طارق إلى الخلف. قبل شهور، كانت هذه الكلمات تبدو مستحيلة، أما الآن فقد أومأ برأسه. قال طارق: أظن أنني عرفت أخيراً كيف أفعل ذلك. استدار نحو الخروج. انسكبت أشعة الشمس عبر الزجاج، وخطا طارق إلى الخارج. ليس لأن الذكريات اختفت، ولا لأن كل شيء قد صلح، بل لأنه استوعب أخيراً شيئاً لم تتعلمه قط من أي ميدان قتال أو مهمة أو وسام: في بعض الأحيان، لا تكون النجاة من الحرب سوى البداية فقط، أما المعركة الأصعب فهي أن تتعلم كيف تسمح لنفسك بالعودة إلى الوطن. النهاية خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد