بعدعشر سنوات – محمد نور
تنهدت وسألته: اعتذار آخر؟
قال: الأخير.
تركته يكمل فقال: طوال سنوات كنت أقول إنني أسف لأنني خسرتكِ، وكان ذلك أنانياً لأنني كنت أسف على خسارتي الشخصية. أما الآن فأفهم أنه كان يجب علي الأسف على ما فعلته بكِ حتى لو لم أركِ مجدداً. لم يكن ينبغي أن تضطري للاختفاء ولا لخسارة مستقبلكِ.
نظر في عيني وقال: لن أطلب منكِ الغفران، أردتكِ فقط أن تعرفي أنني فهمت الفارق أخيراً.
شعرت بغصة في حلقي، لم أبكِ بل ابتسمت وقلت: حسناً.
أومأ حسام ونهض، لم يطلب لقاءً آخر ولا سأل إن كان يمكنه الاتصال، ولم يحاول تحويل تلك المحادثة إلى بداية قصة حب، ولهذا ربما كانت تلك المرة الأولى التي احترم فيها قراري حقاً.
بعد شهرين تلقيت بطاقة بريدية دون اسم مرسل، وفي ظهرها جملة واحدة بخط حسام: “أتمنى أن تكوني حيث اخترتِ أن تكوني”.
وضعت البطاقة في الدخل، ليس لأنها تعني رغبتي في العودة، بل لأن تلك الكلمات لخصت كل ما بحثت عنه لسنوات: أن أختار… أن أختار أين أعيش، ومن أحب، ومتى أرحل، وماذا أفعل بقصتي.
الفتاة التي كنتها خسرت أشياء كثيرة في تلك الليلة، لكن المرأة التي عادت بعد عشر سنوات استعادت شيئاً أهم بكثير: صوتها، واسمها، والحق في تقرير ما يأتي بعد ذلك.
في السابق ظننت أن الانتقام الأفضل هو رؤية حسام يخسر كل شيء، لكن عندما حدث ذلك لم أشعر بالفرح المتوقع، لأن النصر الحقيقي لم يكن في رؤيته يسقط، بل في اكتشاف أنني لم أعد بحاجة إلى سقوطه لأستطيع النهوض.
حياتي استمرت بدونه؛ أحببت، وخسرت ناساً، وصادقت آخرين في أماكن لم يكن لزملائي القدامى معرفتها على الخريطة، وأمسكت بأيدي غرباء في مستشفيات ميدانية، ورأيت مدناً مدمرة تعود للحياة، وتعلمت أن أي صورة أو شائعة أو رجل لا يمكنه تحديد من أكون إلى الأبد.
بعد عام قبلت إدارة برنامج دولي جديد للمساعدات الطبية. وقبل مغادرتي نظم مراد عشاءً صغيراً، لم تكن هناك مزاحات عن حسام، ولا محاولات لإجلاسنا معاً، ولا قول إنه انتظرني عشر سنوات، لأن الجميع فهموا أخيراً أن هذه لم تكن قصة رجل ينتظر امرأة، بل قصة امرأة كان عليها إيجاد نفسها بعدما حاول الآخرون تقرير مصيرها.
عندما خرجت من المطعم رأيت حسام في الجهة المقابلة من الشارع. لم أكن أعلم أنه سيكون هناك. التقت أعيننا، فرفع يده ورفعت يدي، ومشينا في اتجاهين معاكسين.