بعدعشر سنوات – محمد نور
أصدرت ريم بياناً قالت فيه إنها لم تكن تعلم بالطريقة التي استُبعدت بها، رغم اعترافها بمعرفتها بتدخل والدها لصالحها. لم أعرف ما إذا كان علي تصديقها، واكتشفت أنني لست بحاجة إلى ذلك.
بعد عام عدتُ مجدداً، ليس لاجتماع المتقاعدين، بل بدعوة لإلقاء محاضرة عن الدعم الإنساني.
عند الانتهاء وجدت مراد ينتظرني وقال: هناك من يريد إلقاء التحية عليكِ.
لم يكن بحاجة للشرح، كان حسام يقف في الطرف الآخر من القاعة بدون بزة عسكرية، يرتدي بدلة داكنة وشعره أطول قليلاً، بدا رجلاً عادياً للغاية. طوال سنوات ربطته بالسلطة والرتبة، وبدون النجوم على كتفيه كان مجرد رجل.
اقترب وقال: أهلاً نورة.
قلت: أهلاً.
اختلق مراد عذراً وغادر، فابتسم حسام وقال: ما زال سيئاً في الاختفاء.
قلت: كان هكذا دائماً.
ساد صمت قصير ثم قال: سمعت محاضرتكِ.
سألته: كلها؟
قال: نعم.
قلت: هذا تطلب صبراً.
قال: كنتِ دائماً أفضل مني في التحدث أمام الحضور.
ابتسمت. كان أمراً غريباً، فللمرة الأولى نستطيع الحديث دون أن يشغل الماضي كل المساحة بيننا. كان ما زال هناك، لكنه لم يعد يخنقنا.
سألته: كيف حالك؟
بدا متفاجئاً من أنني أريد المعرفة وقال: أعمل في منظمة لدعم المتقاعدين، لا شيء ضخماً.
قلت: يبدو مهماً.
قال: إنه مختلف.
أومأت وسألته: وهاني؟
قال: يدرس.
سألته: يدرس؟
قال: التاريخ العسكري في جامعة صغيرة.
كِدت أضحك وقلت: لم أكن لأتخيل ذلك أبداً.
قال: ولا أنا.
ساد صمت آخر ثم وضع حسام يديه في جيبيه وقال: نورة، أريد سؤالكِ عن شيء، ويمكنكِ الرفض.
انتظرتُ، فقال: هل يمكننا شرب الفنجان من القهوة؟
نظر ت إليه. قبل عشر سنوات كنت سأعطي أي شيء لسماع هذه الدعوة، وقبل عام كنت سأرفضها، أما الآن فلم أعد أشعر بأي من الشعورين.
قلت: فنجان قهوة فقط.
ابتسم ابتسامة صغيرة وقال: لا شيء غيره.
جلسنا في مقهى قريب وتحدثنا لساعة. لم نتطرق إلى الماضي في البداية، بل تحدثنا عن المدن والعمل والمعارف والوجبات السيئة في القواعد العسكرية.
في لحظة ما ضحك حسام ضحكة حقيقية، وحينها أدركت شيئاً أدهشني: لم أعد أكرهه.
هذا لا يعني أنني أحبه، ولا يعني أنني نسيت، ولا أن الضرر قد زال، بل يعني ببساطة أنني لم أعد بحاجة إلى حمله معي.
قبل الوداع قال حسام: هناك شيء لم أقله لكِ كما يجب.