صرخة من قاع الفريزر – محمد نور
صرخة من قاع الفريزر — محمد نور
## الجزء الأول
لم يكن قد مرّ على توقيع طلاق **محمود** سوى ثلاثة أسابيع عندما استلم رسالة نصية من مطلّقته **رشا**:
> “تعالَ وخذ أغراضك المتبقية قبل يوم الجمعة.”
>
رسالة مقتضبة، خالية من أي سلام أو توضيح، ولم تذكر فيها كلمة واحدة عن **سارة**، ابنتهما ذات السبع سنوات، التي أقسم كلاهما يوماً على حمايتها مهما بلغت الخلافات بينهما.
فكر محمود في الذهاب يوم الجمعة كما طلبت، لكن شعوراً ثقيلاً بالريب كان يعتصر قلبه منذ أيام؛ فرشا كانت تتهرب من اتصالاته وتختلق الأعذار لمنعه من التحدث إلى الطفلة بمفرده.
لهذا السبب، قرر الذهاب مساء يوم الخميس، في حدود الساعة العاشرة ليلاً، إلى البيت الذي عاش فيه تسع سنوات.
كان بريد الأجواء يشي ببدء فصل الشتاء. الشارع ساكن تماماً، إلا أن باب المرآب الخارجي كان مفتوحاً، وضياء أصفر باهت ينسكب منه على الرصيف.
سيارة رشا لم تكن هناك… لكن سيارة **جمالات**، والدة زوجته السابقة، كانت قابعة في مكانها.
أنزل ذلك الموقف قشعريرة باردة في جسده؛ فجمالات لم تكف يوماً عن التدخل في كل شغيرة وكبيرة في حياتهما الزوجية. وبعد الطلاق، أدّعت أنها ستنتقل للبقاء مع رشا لمساعدتها في العناية بسارة فقط.
دخل محمود إلى المرآب وهو ينادي اسم ابنته بصوت عالٍ:
— **سارة!**
لا إجابة.
كانت هناك صناديق كرتونية مكدسة، وأثاث مغطى بملائات بيضاء، وألعاب مكسورة ملقاة بجوار الجدار… كان المكان يشبه مستودعاً كئيباً لعائلة تشتت شملها.
وفجأة… سمع صرخة مكتومة.
— **بابا!**
كان الصوت خافتاً وضعيلاً، وكأنه يخترق جداراً سميكاً.
تسمّر محمود في مكانه لثانية واحدة.
— **بابا… أنقذني!**
ركض بلهفة نحو المجمد (الفريزر) الأفقي في أقصى القبو. سحب الغطاء بكلتا يديه، لكن شيئاً ما كان يحكم إغلاقه من الخارج. بضربة قوية يائسة، كسر القفل وفتح الغطاء.
لفحه هواء جمد الرعب في عروقه…
كانت **سارة** متكومة بين أكياس الخضراوات المجمدة وقطع اللحم. ندف الثلج تكسو معطفها، وشفتاها مالتا إلى الزرقة، وجسدها يرتجف بقوة تجعل الأكياس البلاستيكية تحتها تصدر أزيزاً.
— **سارة!**
انتشلها محمود سريعاً، ولفّها بمعطفه الدافيء وضمّها إلى صدره بكل ما أوتي من قوة:
— **أنا هنا يا حبيبتي.. أنتِ بخير الآن.**