زوجي حيا يرزق – محمد نور
خمس سنوات وأنا أبكي أمام قبر زوجي… ثم رأيته حياً
طوال خمس سنوات، وفي صباح كل يوم جمعة، كنت أشتري حزمة من الفل الأبيض من كشك صغير أمام مقابر «الغفير» بالقاهرة.
حتى إن البائع صار يحفظ وجهي عن ظهر قلب:
— لروح زوجك المرحوم أيضًا، يا ست رانيا؟
كنت أكتفي دائماً بالإيماء.
أحياناً أصل مع إشراقة الشمس الأولى، وأحياناً تحت هطول المطر حين تصبح أرض المقابر طينية رطبة.
أجلس أمام الشاهد الأسود المكتوب عليه بخط جلي:
أحمد عبد الرحمن
1986 – 2021
الزوج الحبيب
ثم أبدأ بالحديث…
أحدثه عن عملي.
عن شقتنا التي اضطررت إلى بيعها في النهاية لكثرة الذكريات.
عن أمه التي بدأ تواصلها معي يقل تدريجياً.
وعن شركة الشحن الصغيرة التي أسسناها معاً من مقر صغير في «شبرا»، والتي أوشكت على الإفلاس بعد رحيله.
والأكثر إحراجاً، أنني كنت أعتذر له دائماً لأنني ما زلت على قيد الحياة.
— سامحني لأنني بدأت أبتسم مجدداً يا أحمد.
— سامحني لأنني لم أزرك الجمعة الماضية.
— سامحني لأنني بدأت أفكر أنني قد أجد السعادة يوماً ما.
كنت أؤمن تماماً أن أحمد توفي بسبب سرطان البنكرياس الذي اكتُشف في مرحلة متأخرة.
رأيت جسده يذبل على مدار ثمانية أشهر…
أو هكذا خُيّل إلي.
عندما دخل علاجه الشهر الأخير، تولت والدته، الحاجة «رضوى»، إدارة كل الأمور الطبية بنفسها.
كانت تقول إن أحمد يخجل من أن أراه وهو يزداد هزالاً، وإن عليّ التركيز على إنقاذ الشركة، وإن حالته تتدهور بسرعة فائقة.
وفي الليلة التي «توفي» فيها، كنت في الإسكندرية للقاء مستثمرين محتملين.
اتصلت بي الحاجة رضوى في الساعة 02:17 فجراً.
كان صوتها يرتجف:
— رانيا… أحمد راحت روحه للباري.
عدت في أول رحلة.
وعندما وصلت، كان الجثمان قد وُضع في التابوت وأُغلق تماماً.
أردت أن ألقي نظرة أخيرة على وجهه، لكن الحاجة رضوى احتضنتني وهي تبكي:
— بلاش يا بنتي… ملامحه اتغيرت أوي من الأدوية، خليه في بالك بالصورة اللي عرفتيه بيها وهو بصحته.
استسلمت لرغبتها.
قبّلت التابوت، وبكيت حتى أوشكت على الإغماء، ثم شيعت الجنازة.