في الثالثة فجرا – محمد نور
الجزء الأول
في تمام الساعة الثالثة فجراً، وجد وجيه المنطقة وصاحب المزرعة الكبيرة ابنة خادمته تعجن العجين خفية، ليتمكن من كشف حقيقة ستغير حياة كل من في الدار إلى الأبد. كانت الوضعية مستوحاة من الصراع الأساسي للقصة: فتاة تضحي بمستقبلها من أجل العناية بأمها المريضة.
في خريف عام 1888، في الأراضي الجبلية الباردة، كان الشيخ جاسم الماجد يُعرف بأنه أحد أثرى رجال المنطقة وأكثرهم احتراماً. بنى أملاكه من اللاشيء، واشترى الأراضي، ورعى آلاف الشياه والإبل، ومَرّ بسنوات القحط والجفاف والقطاع دون أن يجرؤ أحد على رؤية ضعفه.
لكن كان هناك شيء واحد لم يستطع مواجهته: صمت بيته الكبير.
منذ وفاة زوجته قبل سنوات، أصبحت غرف الدار تبدو أكثر خلوّاً كل ليلة. كان الشيخ جاسم يدير أكبر التجارات ويعرف متى تهب العاصفة من رائحة الهواء، لكنه لم يكن يعرف كيف ينام مرتاح البال.
في تلك الليلة، وبينما كان يمشي في الممر الرئيسي للدار، سمع صوتاً غريباً.
لم يكن صوت س/لاح.
ولم يكن صوت اقتحام بالقوة.
بل كان صدمات متتالية لعجين يُضرب على طاولة خشبية.
نزل الشيخ جاسم السلالم ببطء وتبع الصوت حتى وصل إلى المطبخ. وعندما فتح الباب، رأى منظراً لم يخطر له على بال.
فوق مقعد خشبي صغير، كانت تقف فتاة نحيلة، يداها مغطتان بالطحين، تحاول الوصول إلى طاولة كبيرة لتعجن كمية ضخمة من الخبز تكفي لإطعام جميع عمال المزرعة.
استدارت الفتاة وهي مرعوبة.
— “من أنتِ؟ وماذا تفعلين هنا في هذا الوقت؟”
أنزلت الفتاة رأسها إلى الأرض:
— “أنا مريم يا سيدي… مريم بنت أمينة. أنا ابنة المرأة التي تنظف البيت.”
تذكر الشيخ جاسم الاسم فوراً. كانت أمينة تعمل لديه منذ سنوات، امرأة طيبة، حريصة، وقليلة الكلام.
لكن هذه الفتاة التي أمامه لم تكن تبدو كخادمة عادية.
كانت عيناها مجهدتين، وثيابها بالية، ويدها مجرحتان من عمل أثقل بكثير من سنها.
— “أين أمكِ؟”
ضغطت مريم على شفتيها:
— “إنها مريضة يا سيدي. مجرد حمى شديدة. قالت لي إنها ترتاح قليلاً، فأردتُ أن أساعدها في إعداد الخبز.”
نظر الشيخ جاسم إلى الطاولة المليئة بالطحين. كان يعلم أن هذا التبرير غير منطقي.
— “هل طلبت منكِ أمكِ المجيء؟”
هزت الفتاة رأسها بسرعة:
— “لا، هي لا تعلم أنني هنا.”