زوجوني لرجل اصم

رفع الرجل رأسه فجأة.

حدق بالقطعة.

ثم حدث شيء لم تتوقعه أبدًا.

بكى.

ليس كبكاء مرتفع…

بل بصمت كامل.

دموع نزلت من عينيه المفتوحتين كأن ذكرى مدفونة انفجرت داخله دفعة واحدة.

شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.

ما هذه؟

كان يتنفس بصعوبة.

ثم تحركت شفتاه ببطء شديد.

ز…

تجمّد جسدها بالكامل.

هو…

يتكلم؟

زهراء.

خرج اسمها مبحوحًا، متكسرًا، كأنه صوت لم يُستخدم منذ سنوات طويلة.

غطّت فمها بصدمة.

أما هو، فظل يحدق بقطعة النحاس وكأنها أخرجت عمرًا كاملًا من الظلام.

—

لم يناما حتى الفجر.

أشعلت النار أكثر من مرة، ووضعت الكمادات فوق أذنه الملتهبة.

أما هو، فجلس ممسكًا الدفتر بيد مرتجفة.

ثم بدأ يكتب.

“أنا لم أولد أصم.”

شعرت أن قلبها توقف لحظة.

رفع عينيه نحوها.

ثم أكمل.

“كنت أسمع كل شيء.”

كلمات قليلة.

متقطعة.

لكنها كانت كافية لفتح باب عمره عشرون سنة.

كتب عن طفولته.

عن والده.

عن الأرض الواقعة قرب الينابيع الجبلية.

وعن الطريق القديم الذي تمر منه تجارة كثيرة لا يحب الناس الكلام عنها.

ثم كتب اسم صاحب الجمعية.

بعدها توقف طويلًا.

أنفاسه أصبحت أثقل.

ثم كتب:

“أبي رفض بيع الأرض.”

تسارعت نبضات قلبها.

“سمعتهم خلف المسجد القديم.”

“هو… والطبيب… ورجل من البلدية.”

“هددوا أبي.”

رفعت عينيها عنه ببطء.

كان وجهه شاحبًا تحت ضوء النار.

لكن نظرته هذه المرة لم تكن نظرة رجل مخيف.

بل نظرة رجل عاش سنوات داخل رعب لم يفهمه أحد.

أكمل الكتابة بصعوبة.

“بعد يومين… مات أبي.”

“قالوا حادث.”

“لم يكن حادثًا.”

شعرت بأنفاسها تضيق.

ثم جاءت الجملة التي جعلت البرد يختفي تمامًا من حولها.

“أخذوني للطبيب.”

توقفت يده للحظة.

ثم تابع.

“ثبتوني بالقوة.”

“ثقبوا أذني.”

“وضعوا النحاس.”

أغمضت عينيها.

كأنها تسمع صراخ طفل صغير وسط العاصفة.

“كنت أصرخ.”

“ثم لم أعد أسمع جيدًا.”

“ثم خفت من الكلام.”

“ثم صار الصمت أسهل.”

نزلت دمعة ساخنة فوق خدها دون أن تشعر.

طوال عمرها صدقت ما يقوله الناس عنه.

الوحش.

المجنون.

الرجل المخيف.

لكن الحقيقة؟

كان طفلًا محطمًا تُرك وحده حتى تحول ألمه إلى شيء يخشاه الجميع.

رفعت رأسها نحوه.

لماذا لم تخبر أحدًا؟

ابتسم ابتسامة قصيرة مكسورة.

ثم كتب:

“لا أحد أراد أن يسمع.”

ساد الصمت طويلًا.

النار تشتعل بهدوء.

والريح تعصف خارج البيت.

ثم كتبت هي ببطء:

“سنذهب إلى طبيب خارج القرية.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *