زوجوني لرجل اصم

صرخ الطبيب فجأة:

أنا لم أقتله!

تجمّدت الساحة بالكامل.

حتى الريح بدت وكأنها توقفت.

أكمل الطبيب بصوت مرتعش:

أنا فقط نفذت ما طلبوه مني…

الناس بدأت تتراجع ببطء.

والرعب ينتشر في الوجوه.

اعترف بكل شيء.

كيف أُحضر الطفل إلى العيادة بالقوة.

كيف ثُبت على السرير.

كيف تم ثقب أذنه ووضع النحاس داخلها.

وكيف مات والده بعد رفضه بيع الأرض.

شعرت زهراء أن ساقيها لم تعودا تحملانها.

أما حيدر…

فكان واقفًا وسط الساحة كأنه يرى كابوس طفولته يتحول أخيرًا إلى كلمات مسموعة.

نظر مباشرة نحو الرجل العجوز.

ثم قال بصوت مبحوح لكنه واضح:

سمعتك.

تجمّد الرجل مكانه.

سمعتك تهدد أبي.

ولأول مرة منذ سنوات طويلة…

ظهر الخوف الحقيقي على وجه الرجل النافذ.

حاول أن يتكلم.

لكن صوتًا آخر سبقه.

كان والد زهراء.

خرج من بين الناس ووجهه غارق بالدموع.

الدين كان مزورًا…

التفتت زهراء نحوه بصدمة.

أخفض رأسه بخزي.

أجبروني على التوقيع…

شعرت بشيء ينكسر داخلها.

طوال عمرها ظنت أن أباها باعها لينجو من الفقر فقط.

لكن الحقيقة كانت أبشع.

كان خائفًا.

خائفًا مثل بقية القرية كلها.

اقترب منها بخطوات مرتجفة.

سامحيني يا بنتي…

نظرت إليه طويلًا.

ثم قالت بهدوء متعب:

قل الحقيقة فقط.

وبالفعل…

بدأ الناس يتكلمون.

الراعي الذي رأى الجثة ليلة موت الأب.

الرجل الذي سمع التهديد قرب المسجد القديم.

العامل الذي عرف بتزوير الأوراق.

واحدة تلو الأخرى…

بدأ صمت عشرين سنة ينهار.

—

لم يسقط الرجل النافذ في يوم واحد.

فالرجال الذين يملكون السلطة لا يسقطون بسهولة.

حاول الإنكار.

ثم التهديد.

ثم شراء السكوت.

لكن التحقيق بدأ رسميًا.

وأُغلقت الجمعية الزراعية.

وأُخذ الطبيب للاستجواب.

ولأول مرة منذ عشرين سنة…

لم ينادِ أحد حيدر بالوحش.

—

مرّت الشهور بطيئة.

استعاد حيدر جزءًا من سمعه.

ليس كله.

بعض الأصوات كانت تصل مشوشة.

الأصوات العالية كانت تؤلمه أحيانًا.

وكان لا يزال يفضّل الصمت في كثير من الأيام.

لكن الصمت لم يعد سجنه.

أما زهراء…

فلم تعد تلك المرأة التي تخفض رأسها كلما ضحك أحد عليها.

بدأت تنزل إلى السوق كل أسبوع.

تبيع الجبن والأعشاب والخبز.

وتتحدث بثبات لأول مرة في حياتها.

وفي أحد الأيام، مرّت بجانب امرأة كانت تسخر منها دائمًا.

توقعت زهراء الهمسات المعتادة.

لكن المرأة قالت فقط:

تبدين مختلفة الآن.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *