زوجوني لرجل اصم

ما إن قرأ الجملة حتى تغير وجهه فورًا.

هز رأسه بعنف.

خوف حقيقي ظهر داخل عينيه.

“سيعرفون.”

“سيقتلونني.”

شعرت بقلبها ينقبض.

اقتربت منه أكثر.

لن أتركهم يفعلون.

حدق فيها طويلًا.

كأنه لا يفهم لماذا تساعده.

لماذا تصدقه.

لماذا لم تهرب منه مثل بقية الناس.

ثم كتب ببطء شديد:

“لماذا؟”

نظرت إلى يديه الخشنتين الممتلئتين بالجروح القديمة.

إلى الرجل الذي عاش عمره كله يُعامل كأنه شيء مشوّه.

ثم قالت بهدوء:

لأنك… رغم كل ما فعلوه بك… لم تؤذني يومًا.

ظل ينظر إليها.

ولأول مرة منذ دخلت هذا البيت…

شعرت أن الصمت بينهما لم يعد مخيفًا.

بل صار يشبه الأمان.

وفي الخارج، استمرت الثلوج تتساقط فوق جبال الأردن الباردة…

بينما شيء قديم جدًا بدأ أخيرًا يخرج من تحت الصمت.

مع أول ضوء للفجر، كانت السماء فوق جبال شمال الأردن رمادية وثقيلة كأنها لم تنم طوال الليل.

الثلج المتراكم فوق سفوح “وادي الريح” جعل القرية تبدو معزولة تمامًا عن العالم، كأن الجبال ابتلعتها وأغلقت عليها الصمت.

وقفت زهراء أمام الحظيرة تلفّ الشال الصوفي حول رأسها بينما أنفاسها تتحول إلى ضباب أبيض في الهواء البارد.

خلفها، خرج حيدر من البيت ببطء.

وجهه شاحب.

وعيناه غائرتان من الحمى والسهر.

لكن شيئًا داخله كان مختلفًا.

كأن جزءًا من ذلك الصمت القديم تصدّع أخيرًا.

اقتربت منه وهي تحمل كيسًا صغيرًا فيه خبز يابس وقليلًا من الجبن وبعض المال الذي أخفته سنوات داخل ملابسها القديمة.

كتبت بسرعة في الدفتر:

“سننزل إلى إربد.”

قرأ الجملة.

ثم رفع عينيه نحو الطريق الممتد بين الجبال.

الخوف كان واضحًا على وجهه.

لكنه لم يعترض هذه المرة.

لأن الخوف نفسه لم يعد أسوأ من البقاء هنا.

قبل أن يغادرا، سمعت زهراء صوت حوافر حصان بعيد.

التفتت بسرعة.

رجل يقف أعلى التلة المقابلة للمزرعة.

يرتدي عباءة سوداء.

يراقبهما.

ما إن لمح أنها رأته، حتى استدار بحصانه واختفى بين الأشجار.

شعرت بانقباض داخل معدتها.

لقد عرفوا.

القرية كلها كانت تعرف أخبار بعضها قبل أن تكتمل أصلًا.

وأصحاب النفوذ كانوا يملكون رجالًا يراقبون الطرق والمزارع والدكاكين.

أمسكت يد حيدر بسرعة.

يجب أن نتحرك الآن.

كان الطريق إلى المدينة طويلًا وقاسيًا.

الثلوج غطّت أجزاء كبيرة من الممرات الجبلية، والريح كانت تضرب وجوههم كالسكاكين.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *