زوجوني لرجل اصم
استأجرت زهراء شاحنة قديمة من أحد الرعاة حتى أوصلتهما إلى الطريق الرئيسي المؤدي إلى إربد، لأن سيارات القرية نفسها كانت تتجنب الاقتراب من مزرعة حيدر منذ سنوات.
طوال الرحلة، كان حيدر صامتًا.
أحيانًا يضغط يده فوق أذنه.
وأحيانًا يرفع رأسه فجأة كأنه يحاول التقاط صوت بعيد.
وفي منتصف الطريق، توقف فجأة.
نظر حوله بتوتر.
ثم قال بصوت مبحوح بالكاد خرج من حنجرته:
هذا…؟
حدقت به زهراء.
ماذا؟
أشار نحو الوادي البعيد.
صوت.
استمعت للحظة.
ثم ابتسمت رغم خوفها.
مياه.
ظل ينظر نحو الوادي كطفل يسمع العالم للمرة الأولى.
مياه…
كرر الكلمة ببطء شديد، كأنه يتذوقها.
شعرت زهراء بشيء يعتصر قلبها.
رجل حُرم من صوت الماء عشرين سنة كاملة.
—
وصلوا إلى إربد بعد الغروب.
المدينة بدت لحيدر كأنها عالم آخر.
أضواء السيارات.
أصوات الناس.
أبواب المحلات.
رائحة القهوة والديزل والمطر.
الأذان البعيد الخارج من مسجد مزدحم.
كان يلتفت حوله بارتباك واضح.
الأصوات تصل إليه مشوشة ومتقطعة، لكنه كان يسمعها.
ولأول مرة منذ عرفته، رأته خائفًا من شيء غير الذكريات.
العالم نفسه صار مرتفعًا أكثر من اللازم.
دخلوا مستشفى حكوميًا صغيرًا.
بعد ساعات طويلة من الانتظار، دخل حيدر غرفة الفحص.
الطبيب كان رجلًا خمسينيًا هادئ الملامح.
استمع للقصة بصمت كامل.
ثم بدأ يفحص أذن حيدر بدقة.
دقائق طويلة مرت دون كلمة.
بعدها تغيّرت ملامحه فجأة.
نظر نحو زهراء ببطء.
من فعل هذا به؟
شعرت زهراء ببرودة تمر داخل جسدها.
يعني…؟
تنهد الطبيب.
هذه ليست إصابة طبيعية.
هناك آثار ثقب قديم متعمد في طبلة الأذن.
والالتهابات المزمنة تدل على وجود أجسام غريبة تُركت بالداخل لسنوات طويلة.
رفع قطعة النحاس الصغيرة بالملقط.
وهذا وحده كان كافيًا ليدمر السمع تدريجيًا لو تُرك دون علاج.
جلس حيدر ساكنًا فوق الكرسي.
كأنه يسمع الحكم النهائي على حياته كلها.
اقترب الطبيب منه قليلًا.
هل تتذكر ما حدث؟
أغمض حيدر عينيه.
ثم قال بصوت متقطع:
ثبتوني…
ساد الصمت داخل الغرفة.
حتى الطبيب بدا متوترًا.
ثم قال بهدوء:
يجب أن نجري تدخلًا جراحيًا بسرعة قبل أن يصل الالتهاب إلى العظم.
—
كانت العملية طويلة.
زهراء جلست خارج غرفة العمليات ساعات كاملة، تضم التقرير الطبي داخل حضنها كأنه الشيء الوحيد الذي يبقيها واقفة.
في كل مرة يُفتح فيها الباب، كانت تنهض بفزع.