كنت بشوف بنتي

​سلم عليا وعلى العيال وباس راس محيي وقال وهو مكسوف: “يا صابرين يا بنتي، أنا جاي ومش طالب منك حاجة غير المسامحة.. الحاج إبراهيم تعبان جداً في المستشفى، جلطة شديدة ومبقاش ينطق، والدكاترة بيقولوا أيام. وهو قبل ما يفقد النطق كان عمال يشاور على صورتك وصورة أحمد ويبكي. إحنا عرفنا إن ربنا انتقم لليتامى، وجاي أرجوكي تسامحيه لوجه الله.. عشان الراجل يقابل ربنا وهو مش شايل ذنب اليتيم.”

​بصيت لعيالي، وبصيت لعمهم، وحسيت بنار وجع الليلة دي بتنطفي تماماً في قلبي، وحل محلها يقين إن حق ربنا جه تالت ومتلت في الدنيا قبل الآخرة.

​لو كنتم مكاني، والراجل اللي ظلمكم وظلم عيالكم بيموت وطالب السماح.. كنتوا هتروحوا المستشفى وتسامحوه لوجه الله وعشان خاطر جوزكم الله يرحمه؟ ولا كنتوا هتقولوا “بيني وبينه ربنا ليوم الدين” وتيجوا على قلبكم؟

 

عم حامد وقف مستني الرد وعينيه في الأرض، وعيالي كلهم سكتوا وبصوا لي، مستنيين الكلمة اللي هتطلع من بوقي. محيي ابني، اللي بقى طوله طول الرجال، قرب مني وحط إيده على كتفي وكأنه بيقول لي: “القرار قرارك يا أمي، وإحنا معاكي”.

​بصيت لعمهم وقلت له بنبرة هادية بس مليانة عزة: “يا عم حامد، أنت على راسي من فوق، وعمرك ما أذيتني. بس الحاج إبراهيم مشكلته مش معايا أنا.. أنا خلاص ربنا نصرني ورد لي اعتباري في الدنيا قدام الكومباوند والبلد كلها والبيت اهو عايشة فيه معززة مكرمة. الحاج إبراهيم مشكلته مع الست عيال اليتامى دول اللي رماهم في البرد، ومع أحمد ابنه اللي في تربته مكنش مرتاح وهو شايف أبوه بيعمل كدة في لحمه.”

​عم حامد دمع وقال: “عارف يا بنتي، والله عارفين إننا ظلمناكم، بس الراجل بيموت.. ارحميه يرحمك الله.”

​قلت له: “أنا مش هروح المستشفى، ومش هقدر أبص في وشه وأقوله مسامحاك كدب.. لكن أنا هعمل حاجة واحدة لوجه الله وعشان خاطر جوزي الغالي أحمد.. أنا هسيب الأمر لله، ومستحيل أدعي عليه. ربنا هو الحكم العدل، وهو اللي بيسامح في حقه، أما حق العباد فده بينه وبين ربنا.”

​عم حامد هز راسه ومشي وهو حزين، بس حاسس إن ده أقصى حاجة كان ممكن يرجع بيها.

​بعدها بيومين بالظبط، عرفنا إن الحاج إبراهيم اتوفى. الجنازة كانت هادية، ومفيش حد من الجيران أو المعارف راح غير قليل جداً، وكأن الناس كمان كانت شايلة منه بسبب اللي عمله فينا.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *