كنت بشوف بنتي
بعد يومين من قعدة التفكير، والاستخارة، اتخذت قراري اللي مكنش فيه رجوع.
الأستاذ مصطفى المحامي كلمني وقالي: “يا مدام صابرين، الحاج إبراهيم جالي المكتب وهو مكسور، وجايب معاه كبار العيلة عشان يطلبوا الصلح، وبيقولوا إنهم مستعدين يكتبوا شيك بمبلغ لعيال أحمد كترضية، بس تتنازلي عن محضر طرد القصر والتبديد، عشان الحاج إبراهيم راجل ليه اسمه وسنه، ومش حمل بهدلة المحاكم والنيابات.”
سكتّ ثواني، وافتكرت منظر عيالي في المطر، وافتكرت القلم اللي نزل على وش ابني محيي. وافتكرت الآية الكريمة: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ}.
قلت للمحامي بصوت ثابت: “يا أستاذ مصطفى، قول للحاج إبراهيم إن صابرين بتقولك: الشيك والفلوس اللي جاي ترضيني بيها دي، مكنتش هتدفعها لو كان عقد البيت مش معايا. أنتم مكنتوش جايين تراضوا يتامى، أنتم جايين تراضوا كبريائكم وخوفكم من الفضيحة والقانون. أنا مش هتنازل عن المحضر، والقانون هياخد مجراه.”
المحامي حاول يهديني: “بس يا بنتي، دول في الأول والآخر أهل عيالك، والصلح خير برضه عشان خاطر شكل العيال قدام أعمامهم بعدين.”
رديت عليه: “اللي يرمي لحمه في الشتا ونص الليل، ملوش عند عيالي صلة رحم. أنا هربي عيالي على القرش الحلال وعلى الكرامة، ومش هخليهم يوطوا راسهم لحد.”
وفعلاً، القضية مشيت في طريقها. وبسبب المحضر والشهود من الجيران في الكومباوند اللي شهدوا باللي حصل، صدر حكم ضد الحاج إبراهيم بحبس سنة مع إيقاف التنفيذ وغرامة تعويض كبيرة، لولا سِنّه ومراعاة للقانون كان دخل السجن بجد. بس الحكم ده كان كافي إنه يكسر مناخيرهم في السوق وقدام الناس كلها، وعيلة الشناوي اللي كانت بتشوف نفسها على طوب الأرض، بقت سيرتها على كل لسان إنهم طردوا لحمهم في المطر.
مرت سنة كاملة على الليلة دي.
ربنا طرح البركة في البيت وفي العيال. محيي ابني دخل أولى ثانوي، وبقى هو راجل البيت، وعينيه بقت مليانة عزة نفس ومبقاش يخاف من حد. وبناتي كبروا وبقوا متفوقين في دراستهم، وخديجة الصغيرة بقت زي الفل وصحتها بومب.
وفي يوم جمعة، كنت قاعدة مع عيالي بنفطر وبنقرأ سورة الكهف، ولقيت الباب بيخبط.
فتحت الباب، لقيت “عم حامد”، أخو الحاج إبراهيم الصغير، وكان جاي لوحده ومن غير شوشرة.