كنت بشوف بنتي
مرفت رمت كيس تاني على الأرض، الكيس اتقطع والهدوم اتطوحت في طين المطر.
وقالت: “إحنا غيرنا كوالين البيت خلاص.. ولو حاولتي ترجعي، هنقول للناس كلها إنك جيتي تتبلي علينا ومجنونة. أصل ست غلبانة وأرملة ومعاها ست عيال مش محتاجة مجهود عشان تبان إنها بتشحت ومتبهدلة”.
بصيت ناحية الشبابيك.. قرايبهم، عمامهم، والجيران.. كله كان واقف يتفرج من ورا الشيش. مفيش راجل واحد فيهم نزل، ولا حد دافع عن عيالي اليتامى.
بقالى ١٤ سنة ساكتة وبستحمل عشان كنت بحب أحمد. سكت لما كانوا بيقولوا عليا طمعانة في فلوسهم. وسكت لما كانوا بيتريقوا عليا عشان خلفت عيال كتير. وسكت وأحمد عيان وهم عمالين يفكروا في الأملاك والعقارات ومش سائلين في وجعه.
لكن الليلة دي، السكوت انتهى.
مسكت إيد محيي وبدأت أمشي ناحية الشارع. مكنش عندي مكان أروحه، ولا عارفة هعمل إيه، وورايا ست عيال غرقانين من المطر. كل اللي كنت أملكه هو دوسيه أصفر مخبياه في شنطة غيارات البيبي.. الدوسيه اللي أحمد ادهولي قبل ما يموت بـ ٣ أسابيع.
يومها قال لي: “يا صابرين، لو أهلي فكروا في يوم يطردوكِ، روحي علطول للأستاذ مصطفى المحامي. متفتحcomputationalيش الدوسيه ده إلا لو اليوم ده جه.. اوعديني”.
وقفت في المطر ولفيت وشي للحاج إبراهيم.
وقلتله: “قبل ما تفرحوا وتطردونا.. روح الأول اتمم وشوف البيت ده مكتوب باسم مين في الشهر العقاري”.
ملامحه اتقلبت فجأة.
وضحتكة مرفت اختفت.
ولأول مرة من ساعة ما رمونا في الشارع، مفيش مخلوق نطق بكلمة.
لأن اللي هيحصل بعد كده، كان حاجة عمر عيلة الشناوي ما عملت حسابها.
فجأة، الهدوء اللي نزل على المكان مكنش هدوء عادي، ده كان هدوء الموت. الحاج إبراهيم وقف مكانه زي الصنم، وإيده اللي ضربت ابني فضلت معلقة في الهواء، وعينيه بدأت تروح وتيجي بيني وبين البوابة الحديد اللي كنا واقفين براها.
مرفت حماتي قربت منه ووشها جايب ألوان، وقالت بصوت واطي بس مرعوب: “أنت بتخرفي بتقولي إيه يا بت أنتِ؟ بيت مين اللي باسم مين؟ ده بيت ابننا، وإحنا الأوصياء على كل حاجة سابها!”
بصيت لها بعين ثابتة، وقلت والدموع خلاص نشفت في عيني: “ابنك الله يرحمه مكنش مغفل يا حاجة.. أحمد كان عارف عيلته كويس، وعارف إن اللقمة اللي هتمشي من بعده هتاكلوها في كرشكم وتنسوا عياله. البيت ده، بالأرض اللي مبني عليها، متسجل باسمي بيع وشراء في الشهر العقاري من شهرين، وبصمة أحمد والشهود عليه.. يعني البيت ده بيتي أنا وعيالي، والناس اللي واقفة برا في المطر دي.. هي أنتم!”