جاءت لتوقع اوراق الطلاق _حكايات محمد نور
في تلك الليلة، وقفا معًا يغسلان الأطباق في مطبخ المزرعة. وفي الخارج، كان نسيم الليل يحمل رائحة الأرض المبللة بالندى.
قال طارق:
— “لقد عرضوا عليّ العودة لرئاسة مجلس الإدارة… لكني رفضت.”
— “لماذا؟”
— “لأنني لا أستحق إدارة أي شيء بعد، إن كنت لا أزال أتعلم كيف أحمي وأرعى الأشخاص الذين يعتمدون عليّ.”
— “الرجل الذي دخل غرفة اجتماعات الطلاق قبل عام لم يكن ليقول هذا الكلام أبدًا.”
— “ذلك الرجل خسر أكثر ما كان يحبه، واكتشف أن أموال الدنيا لا يمكنها شراؤه من جديد.”
على مدار أشهر، واصل طارق إثبات حسن نواياه؛ فأنشأ برنامجًا خيريًا لتوفير السكن المجاني للأمهات اللواتي يسافرن إلى العاصمة لعلاج أطفالهن. ولم يستخدم اسم مريم للدعاية، ولم يبحث عن بهرجة الإعلام. كما أعاد كل الأموال التي تم تحويلها بشكل غير قانوني وتقبل عقوبات مجلس الإدارة بصدر رحب.
أما ياسمين، فقد انتقلت للعيش في مدينة أخرى وأرسلت رسالة لمريم. لم تطلب فيها صداقة أو غفرانًا، بل اعترفت بمسؤوليتها عن الأذى الذي شاركت فيه. احتفظت مريم بالرسالة، فبعض الاعتذارات لا تحتاج لرد، بل يكفي أنها قيلت.
بعد مرور عامين، احتضنت “مزرعة النخيل” أول موسم حصاد مفتوح للجمهور. نُصبت الطاولات الطويلة، وعزفت الفرقة التراثية ألحانها، وتلألأت الأضواء بين الأشجار. كان فارس يركض فرحًا بجانب الخالة أمينة، بينما تتبعه بهية بخوف مشوب بالحب خشية أن يتعثر.
راقب طارق مريم وهي تتحدث مع العمال والزوار بوجه يشع أملًا. ولأول مرة، أدرك أنها لم تكن بحاجة أبدًا لاسم عائلته أو ثروته لكي تلمع وتثبت نفسها؛ بل كان هو من يحتاج إلى حبها ونقائها لكي ينهض من عثرته الطاغية.
وعندما انفض الجمع وغادر الجميع، وجدها تقف وحدها عند أطراف المزرعة، فقال بنبرة هادئة:
— “لا أريد العودة إلى ما كنا عليه في الماضي.”
— “ولا أنا.”
— “أنا أريد الصدق، الاحترام، والسلام.”
— “وإذا عدت يوماً لتكون ذلك الرجل القديم، فلن أطلب منك البقاء.”
مد طارق يده، لكنه لم يلمس يدها. انتظر بوقار.
رأت مريم الفارق الكبير بين الرجل الذي كان يأخذ كل شيء عنوة واقتدارًا، والرجل الذي تعلم أخيرًا كيف يطلب الإذن. حينها فقط، وضعت يدها فوق يده.
لم يستعيدا زواجهما الضائع، بل بنيا معًا شيئًا آخر… أبطأ، وأكثر تواضعًا، وبأعين تحرسها الذكرى والعِبرة.