جاءت لتوقع اوراق الطلاق _حكايات محمد نور
شاهدته مريم وهو يبكي، ولم تشعر بنشوة الانتصار، بل شعرت بحزن دفين على الأب الذي كان يمكن لفارس أن ينعم به منذ اليوم الأول لو أن طارق اختار طريق الحق والصدق.
انتهت إجراءات الطلاق رسميًا بعد شهرين. وعند الخروج من مبنى المحكمة، استوقفها طارق تحت أقواس المبنى الحجرية قائلًا:
— “مزرعة النخيل كانت حلمكِ دائمًا. ما كان ينبغي لي أن ألمسها.”
— “وما كان ينبغي لك أن تستخدم ابننا كس*لاح وتهديد.”
— “لقد بدأت بجلسات العلاج النفسي. لا أقول هذا لتسامحيني، بل لأنني أدركت أنني حولت كل شيء إلى صراع قوى مريض.”
— “التغيير الحقيقي سيكون أصعب بكثير من مجرد إبداء الندم.”
— “أعلم ذلك.”
انتقلت مريم مع فارس للعيش في المزرعة. أعادت ترميم البيت الكبير، وافتتحت مشغلًا لإحياء التراث والفنون اليدوية، ووظفت فيه نساء القرى المجاورة. واستقرت معها جارتها الطيبة، **الخالة أمينة**، خلال الشهر الأول، قائلة بحكمة الكبار: *”إن الرضيع يحتاج دائمًا لجدة تعرف كيف تدير الأمور”*.
كان طارق يزور فارس كل أسبوعين بيوم السبت. في البداية، كانت الزيارات تتم بحضور الأخصائية، ولكن لاحقًا، بعد أن أثبت التزامه التام، أصبحت الزيارات تطول.
كان يأتي محملًا بالحفاضات والملابس البسيطة. تعلم كيف يعد الرضعات، ويغير ملابس الصغير، ويسير به لساعات طوال في أرجاء المزرعة عندما كان فارس يعاني من الأرق.
ولم يحدث قط أن تأخر عن موعده دقيقة واحدة.
أما الحاجة بهية، فقد ترجّت رؤية حفيدها، لكن مريم وضعت شروطًا صارمة:
— “لن تقومي بازدرائي أمامه أبدًا. ولن تعلّميه أن المال أغلى من الكرامة.”
— “موافقة.”
— “ولن تحاولي أبدًا تبرير ما اقترفه طارق في حقنا.”
بكت بهية وقالت بنبرة منكسرة:
— “أنا أيضًا من جعلته ذلك الرجل. علّمته أن الخسارة أسوأ من إيذاء الآخرين.”
سمحت مريم بلقاءات قصيرة، ليس نسيانًا لما مضى، بل لأن فارس لا يجب أن يرث حربًا وعقدًا لا ذنب له فيها.
عندما أتم الصغير عامه الأول، أحضر له طارق حصانًا خشبيًا قيل إنه صنعه بيده. كانت إحدى قوائم الحصان أقصر قليلًا، وطلاؤه يحمل بعض العيوب البدائية.
ابتسمت مريم وقالت:
— “في السابق، كنت ستشتريه له من أشهر المتاجر في أوروبا.”
— “في السابق، كنت أظن أن دفع المال يعادل بذل الجهد والاهتمام.”