تبني طفلة – حكايات محمد نور
تمتم ناصر بخوف:
— **يا سلمان… يمكننا الوصول إلى تسوية!**
— **لم آتِ للتفاوض.**
— **لقد فعلتَ أشياء ألعن مما فعلتُ أنا!**
ظل سلمان صامتاً، فاستطرد ناصر:
— **اشتريتَ المباني بعد أن طردتُ العائلات منها… جنيتَ أموالاً بسببي، فلستَ مخلصاً ولا بطلاً لأحد!**
خطا سلمان خطوة إلى الأمام، وكانت تساوره رغبة عارمة في سحقه، وأن يذيقه ذات الرعب الذي أذاقه لأمل ومريم… لكنه شعر بالدب الصغير يضغط على صدره.
تخيل نفسه يعود إلى الطفلة ويداه ملطختان بالدماء… وتخيلها تسأله عما فعله “سعدون” ليساعده على أن يكون شجاعاً.
أنزل قبضته وقال بصوت خافت:
— **ستُحتجز لدى الشرطة.**
ثم تنحى جانباً وترك رجال الأمن يلقون القبض على ناصر.
تم تحرير مريم، فجثا سلمان أمامها وقال:
— **أمل بخير وفي مكان آمن.**
انهارت المرأة على ركبتيها وهي تبكي بكاءً حاراً.
بعد ساعات، التقت الأم وابنتها في غرفة المستشفى. ركضت أمل ونطت في أحضانها:
— **كنتُ أعلم أنكِ ستعودين!**
احتضنتها مريم بشدة:
— **سامحيني يا حبيبتي… لم أرد ترككِ أبداً.**
كان سلمان يراقب المشهد من عند الباب. لقد جمع شمل عائلة كادت أن تتفكك، لكنه يعلم أن هذا لا يحل كل المشاكل؛ فـ مريم بلا عمل ولا مأوى.
في اليوم التالي، عرض عليها وظيفة في إحدى شركاته لإدارة العقارات، لتكون مسؤوليتها مراجعة شكاوى المستأجرين وكشف أي تجاوزات أو استغلال، كما نسق مع جمعية خيرية لتوفير شقة لهما لمدة سنة.
قالت مريم بكرامة:
— **لا أريد أن أكون مدينة لك بشيء.**
أجابها:
— **ستحصلين على راتب، وعقد عمل، وحرية المغادرة متى أردتِ.**
وافقت بحذر. وبدأت أمل ارتياد مدرسة جديدة، وكانت تزور سلمان كل جمعة، وحقيبتها لا تخلو أبداً من الدب “سعدون”.
أحدث وجود هذه الطفلة تغييراً لم يتوقعه أحد؛ إذ بدأ سلمان بإغلاق الأنشطة المرتبطة بالإخلاء القسري، وقطع علاقاته مع المقرضين الجشعين، وسلم وثائق تدين مسؤولين كانوا يحمون ناصر الفليح.
حذره توفيق قائلاً:
— **سيرون في هذا ضعفاً منك يا أبا فهد.**
فرد سلمان:
— **الضعف الحقيقي كان في معرفة ما يجري والتغاضي عنه.**
تخلى عنه بعض شركائه، وهدده آخرون، بل وأحرقوا أحد مستودعاته في ظلام الليل، لكنه لم يتراجع.
وبعد ثلاثة أشهر، عثرت مريم على ملف قديم في أرشيف الشركة يضم توقيعات ناصر وسلمان. أثبتت الوثائق أن سلمان اشترى ستة مبانٍ بعد طرد عائلات منها بأساليب غير قانونية… لم يطلب طردهم بنفسه، لكنه استفاد من النتيجة.