تبني طفلة – حكايات محمد نور
كان المبنى في الأصل فندقاً مهجوراً، فأصبح يضم غرفاً نظيفة، ومطعماً، وحضانة، ومكاتب للمساعدة القانونية. وعُينت مريم المنسقة العامة للدار.
أثناء حفل الافتتاح، وقف سلمان قرب المدخل، بلا حراس ولا بذلة سوداء حادة كان يرتديها كدرع.
لمحته أمل بين الجمع، فركضت نحوه واحتضنته:
— **ظننتُ أنكِ غاضبة مني،** قال سلمان.
— **أمي هي من كانت غاضبة… أما أنا فكنتُ أنتظرك.**
أخرجت رسمة من حقيبتها؛ تظهر ثلاثة أشخاص تحت شمس ساطعة: أمل، ومريم، وسلمان وهو يحمل الدب “سعدون”، وكتبت في الأعلى بخط يدها:
> **«اليوم الذي لم يُترك فيه أحدٌ وحيداً.»**
>
وقف سلمان عاجزاً عن الكلام. كان يظن أن الخلاص والتكفير عن الذنب يشبهان الانتصار في معركة، لكنه اكتشف أنه يشبه احتضان رسمة طفلة لا تزال تؤمن بأنه قادر على اختيار الطريق الصحيح.
اقتربت مريم وقالت:
— **لم أسامحك تماماً بعد.**
— **ولن أطلب منكِ ذلك.**
— **لكنني أرى ما تفعله الآن.**
نظر سلمان إلى الأروقة المليئة بالعائلات:
— **لا أستطيع تغيير الماضي.**
— **صحيح… لكن يمكنك منع الآخرين من تكرار قصتنا.**
مع مرور السنين، افتتحت “دار أمل” فرعين آخرين، وساهمت مريم في إنشاء شبكة دعم للمطلقات والأرامل بلا مأوى.
لم يسترد سلمان إمبراطوريته المالية القديمة قط، لكنه كسب شيئاً مختلفاً تماماً؛ لم يعد الناس يعرفونه كالهامور الذي يرتعد منه الجميع، بل كشخص يمد يده بالمساعدة عندما يفضل الآخرون إغماض أعينهم.
كبرت أمل وهي محاطة بالكتب والرسم والعائلات التي تبدأ حياتها من جديد، وظلت تحتفظ بالدب “سعدون”، وتُعيره للأطفال الذين يصلون إلى الدار خائفين.
وفي إحدى الأماسي، بعد سنوات طويلة، عادت أمل مع سلمان إلى محطة الحافلات ذاتها.
كان المقعد الخشبي ذاته ما زال قابضاً مكانَه أمام النافذة الكبيرة.
تذكرت أمل:
— **هنا سألتُك إن كنتَ تعرف أحداً يريد ابنة.**
— **لم أنسَ ذلك اليوم قط.**
— **هل وجدتَ ذلك الشخص؟**
ابتسم سلمان:
— **لقد كانت لديكِ أمٌّ تحبكِ أكثر من حياتها.**
— **لم أكن أسأل عن نفسي…**
سكت سلمان، فجلست أمل إلى جواره وقالت:
— **هل وجدتَ أحداً يحب الطفل الذي كنتَه أنت؟**
جال سلمان ببصره في وجوه المسافرين… لثلاثين سنة، كان يظن أن ذلك الطفل البالغ من العمر عشر سنوات قد مات، لكنه في الحقيقة كان ينتظر فقط أن يعود أحدٌ لأجله.