المليونير والخادمة – محمد نور
## الجزء الأول
كانت الطفلة لم تتجاوز عامها الثالث، لكنها كانت تسير تحت وابل المطر بخطوات شخص تعلم مبكرًا أن طلب المساعدة لا جدوى منه.
تبعها **سليمان المنصوري** بسيارته الكبيرة السوداء من بعيد؛ فقد استوقفه صمتها الغريب في ذلك المساء الماطر.
بعد ساعات، وحين رآها تقسم قطعة خبز واحدة لتقاسمها مع أمها، أدرك الرجل الذي يهابه الجميع في المدينة أن قلبه ربما لم يمت تمامًا كما كان يظن.
كان سليمان قد دفن زوجته، وابنته، والجزء الأكثر إنسانية في روح خلال ذلك الصباح الغائم الحزين. ومنذ ذلك الحين، ولثلاث سنوات متواصلة، كان يتناول عشاءه وحيدًا على طاولة ضخمة صُممت لتتسع لعشرين شخصًا.
كان قصره في حي “الخزامى” الشهير يسبه القلعة الحصينة أكثر من كونه بيتًا؛ رخام داكن، ونوافذ ضخمة مضادة للرصاص، وحدائق تحت الحراسة المشددة، ورجال مدججون بالس\لاح عند كل مخرج.
وفي عالم التجارة والنفوذ، كانوا يلقبونه بـ **”الصامت”**؛ لا لأنه لا يتكلم، بل لأنه لا يهدد مرتين. إذا خان أحدهم أمانته، كان يختفي ببساطة من سوق العمل… وأحيانًا من الحياة كلها.
كانت زوجته الراحلة **مريم** تمقت هذا اللقب، وتقول له دائمًا:
> «لم تولد بقسوة يا سليمان.. هم فقط علموك أن الشعور ضعف.»
>
أما ابنته الصغيرة **سارة**، ذات الخمس سنوات، فكانت تملأ البيت حيوية، تركض حافية القدمين في الممرات، وتلطخ الأثاث بالشكولاتة، وتملأ ملفات أبيها الرسمية بالرسومات والألوان.
حتى كان ذلك الأحد الشوم، حين انفجرت السيارة التي كانت تستقلها مريم وسارة وهما في طريقهما إلى المنزل.
منذ ذلك اليوم، أغلق سليمان حجرتيهما، واحتفظ بالمفاتيح بجوار س\لاحه، ومسبحته، وصورة قديمة لا يجرؤ على النظر إليها.
كان يعمل، يأمر، ويعاقب.. لكنه لم يكن يعيش.
تغير كل شيء عندما وصلت **نورة** إلى القصر تبحث عن عمل كخادمة تنظيف. كانت في التاسعة والعشرين من عمرها، ترتدي فستانًا أسود مرقّعًا بعناية، وتحت عينيها هالات سوداء عميقة لم يستطع المكياج إخفاءها.
وبجوارها كانت ابنتها الصغيرة **أمل** تتشبث بدمية قماشية خيطت بألوان مختلفة.
قالت نورة بنبرة رجاء:
— «سأجد من يرعاها خلال الأسبوع، كل ما أحتاجه هو فرصة عمل.»
كانت أمل بشعرها الجعد الداكن وحذائها المهترئ تحمل نظرة جادة لا تناسب طفلة في عمرها.