المليونير والطفلة الصماء١ – محمد نور

قلتُ بنبرة مضطربة:

— “من مستوصف خيري قبل ثلاث سنوات…”

سأل وهو يضيق عينيه:

— **”أي مستوصف؟”**

— “مستوصف الشفاء في حي السلام.”

تغيرت ملامح سليم؛ لم يكن خوفاً، بل كان **إدراكاً وشكاً.**

بدأ الطبيب يتراجع ببطء ونعومة نحو الباب، لكن أحد الحراس لمحه وزجر فيه:

— “لا تتحرك!”

تجمد الطبيب في مكانه.

أفلتنا سليم وأجبر نفسه على النهوض مستوياً في جلسته، رغم ملامح الألم التي اعتصرت وجهه.

وقال:

— **”مستوصف الشفاء أغلق أبوابه قبل ست سنوات.”**

هبط قلبي في صدري:

— “هذا مستحيل! لقد أخذت ليلى إلى هناك بنفسي!”

— **”في أي عام؟”**

— “عندما كان عمرها أحد عشر شهراً.”

— **”ومن ودّاكِ إلى هناك؟”**

حاولتُ التذكر… كانت تلك السنوات الأولى عبارة عن ضباب كثيف من الفواتير، والليالي الساهرة، والأطباء الذين يتحدثون بنبرات خافتة عن تلف الأعصاب وفقدان السمع الدائم.

قلتُ:

— “اتصلت بي امرأة وقالت إن المستوصف تلقى تبرعاً مجهولاً للأطفال الذين يحتاجون إلى أجهزة سمعية.”

تأملني سليم وكأن كل كلمة أقولها تحمل في طياتها خنجراً مستوراً:

— **”ما كان اسمها؟”**

— “لا أعرف…”

عادت “أم إبراهيم” للضحك من الأرض:

— “بالطبع لا تعرفين!”

ضغط الحارس على كتفها بقوة أكبر، فنظر إليها سليم وسألها:

— **”ما علاقة هذه الطفلة بي؟”**

اتسعت ابتسامة أم إبراهيم وقالت بصوت خبيث:

— “أكثر مما تستحق أن تعرفه!”

أزاح سليم قدميه خارج السرير.

تقدم الطبيب خطوة مذعورة:

— “لا يمكنك الوقوف! قلبك—”

قاطعه سليم ببرود قاتل:

— **”قلبي كان يُسمّم تحت إشرافك أنت!”**

سكت الطبيب واستكان، بينما وقف سليم على قدميه. كادت ركبتاه أن تخذلاه، لكنه الإمساك بقائم السرير وأجبر جسده على الطاعة. ورغم ضعفه ورداء نومه الداكن، كان يفرض هيبة مرعبة تجبر الرجال على تنكيس رؤوسهم.

أشار نحو الطبيب وأمر الحراس:

— **”فتشوه.”**

عثر الحراس في معطفه على ثلاث إبر مجهزة دون أي بطاقات تعريفية.

تصلبت ملامح سليم وقال:

— **”خذوهما كلاهما إلى الأسفل.”**

توقفت أم إبراهيم عن الضحك، وللمرة الأولى ظهر الخوف في عينيها. اقتادها الحراس هي والطبيب خارج الغرفة، وأثناء مرورها بي، استقرت عيناها على ليلى وهمست بفحّ:

— **”كان يجدر بكِ أن تموتي مع أبيكِ…”**

ضربتني كلماتها بألم أشد من صدمة الرصاص.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *