القصة كاملة – محمد نور
— ولماذا كانوا يطاردونها؟
بكت “نورة” للمرة الأولى وقالت:
— لأن “ثرية” اكتشفت ما كانت تفعله عائلتك بالأطفال المرضى!
بعد ساعة، تلقيتُ اتصالاً من عمي “فاروق”.. الرجل الذي تولى تربيتي بعد الوفاة المزعومة لأبي.
قلتُ له بنبرة صارمة:
— “فارس” على قيد الحياة!
حلّ الصمت.. لم يكن صمت مفاجأة، بل صمت معرِفة.
— أنت كنت تعلم!
أجابني:
— تعال إلى المسجد القديم في حي “الجمالية”.. بمفردك، إن أردت أن ترى “مجد” يتنفس مجددًا.
ذهبتُ وبندقيتي مثبتة في حزامي، وقلبي قد تحول إلى حجر.
كان عمي “فاروق” يقف أمام المحراب بدون حراس، وإلى جانبه طفلة في الثامنة من عمرها، شعرها داكن وعيناها تحملان نفس نظرة “ثرية”. نظرت إليّ وكأنها رأت وجهي في أحلامها.
سألتني بدموع:
— هل أنت والد “مجد”؟
لم أستطع النطق.
وضع “فاروق” يده على كتفها وقال:
— “سليم”.. هذه “مريم”.
خطت الطفلة خطوة نحوي وقالت:
— أمي قالت إنك ستأتي عندما تجدنا الوحوش..
في تلك اللحظة، فهمتُ شيئًا مزّقني من الداخل: لم تخفِ “ثرية” هذه الطفلة لأنها لم تكن تثق بي، بل خَبَّأتها لأنها كانت تعتقد أن حبّها لي يعني وضع تصويب الرصاص على جبهة ابنتها.
حكى لي “فاروق” الحقيقة على أجزاء، كمن ينبش القبور:
أبي “توفيق القاسمي” لم يمت كما توهمنا جميعًا، بل غير وجهه واسمه وجنسيته لسنوات. وتحت ستار المؤسسات الطبية والعيادات الخاصة، أنشأ شبكة تجارب كيميائية على الأطفال الفقراء والأيتام الذين لا يسأل عنهم أحد.. كان يطلق عليه “مشروع البعث”.
اكتشف “فارس” الأمر في سن السابعة عشرة، فأراد أبي قتله في البحر، لكن “فاروق” ساعده على الهرب وتكتم على الأمر، تاركًا إياي أعتقد أن أخي قد غرق.
سألته بصوت متهدج:
— و”ثرية”؟
خفض عمي رأسه:
— اكتشفت “ثرية” هذه الشبكة بعد ولادة “مريم”. وبعد سنوات، عندما تزوجتها أنت، تعرّف عليها أبيك وأمر بالهجوم على سيارتها. حاول “فارس” إنقاذها وإخراجها حيّة، لكن رجال أبيك وصلوا أولاً.
— هل هي على قيد الحياة؟!
تردد “فاروق” قبل أن يجيب:
— “فارس” يعتقد ذلك.
ا٠نطلقنا في تلك الليلة نحو مستشفى مهجور في منطقة جبلية نائية، مخفي تحت مجمع قديم جرى ترميمه بأموال خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد وجروب روايات محمد نور
مؤسستي الخيرية ذاتها! لقد كنتُ أوقع على هذه التبرعات بجهل، ودون أن أعلم أنني أُموّل هذا الجحيم بنفسي.