القصة كاملة – محمد نور

## الجزء الثاني

تركْتُ “نورة” تذهب فقط لأن “مجد” كان ينظر إلينا.

قلتُ له بصوتٍ غريب لم أتعرّف عليه:

— أكمل كعكتك يا بطل.

رفع “مجد” عينيه الصغيرتين وقال:

— هل ستأتي أمي إذا أكلتُها كلها؟

اخترقني هذا السؤال وكان أشدّ إيلامًا من أي رصاصة.

— أمك معك دائمًا يا بني.

ناولتني “نورة” الظرف. كان الورق ثقيلًا بين يدي وكأنه يحمل في داخله قبرًا كاملًا.

فتحتُه داخل مكتب “ثرية”، وهي الغرفة التي لم يجرؤ أحد على مسّها منذ وفاتها؛ أطيابها ما زالت على طاولتها، ورداؤها الأزرق معلّق على ظهر الكرسي، ودفتر الملاحظات الذي تدوّن فيه وصفاتها مغلق بجوار النافذة.

كانت الرسالة تقول:

*(سليم.. إذا كنت تقرأ هذه السطور، فإن “مجد” في خطر محقّق، و”نورة” وجدت أخيرًا الشجاعة للبحث عنك. لا تعاقبها، فقد أنقذت حياة ابننا مرة من قبل).*

رفعتُ نظري ونظرتُ إليها:

— مرة من قبل؟!

بلعت “نورة” ريقها بصعوبة وقالت:

— أكمل القراءة.

*(سيخبرك الأطباء أن “مجد” ولد بقلب ضعيف.. هذه كذبة! لقد تم إتلاف قلبه عمداً؛ هناك من بدأ بتسميمه قبل أن يكمل عامه الأول بجرعات صغيرة، جرعات كافية لتدميره ببطء وكأن الأمر قضاء وقدر).*

شعرتُ بالأرض تميد تحت قدميّ.

لقد ولد “مجد” سليمًا والمعافى، صغيرًا نعم، ولكنه كان بمعافاة تامة. تذكرتُ “ثرية” وهي تبكي فرحًا حين وضعوه على صدرها أول مرة، وتذكرتُ عينيه المفتوحتين فور سماعه صوتي.

همستُ بذهول:

— لا.. مستحيل.

قالت “نورة”:

— عثرت “ثرية” على العبوة الأولى.. كان مكملًا غذائيًا أمر به الدكتور حسام عندما كان “مجد” في شهره الثامن. كنتُ أعمل حينها في قسم المغسلة بالمنزل، ولاحظتُ أن رائحته تغيرت بعد أن قام أحدهم باستبداله.

— هل كنتِ تعملين هنا؟!

— نعم، لكنك لم تكن تعرف جميع موظفيك؛ كنت تعرف فقط الأسماء التي يرفعها إليك رئيس حراستك.

أردتُ أن أغضب، لكنني لم أستطع.. لأنها كانت صادقة.

تابعت “نورة”:

— أخي “جمال” كان يعمل في كراج السيارات، وفي إحدى الليالي شاهد شخصًا يدخل الممر المؤدي لغرفة “مجد” يحمل حقيبة طبية. أخبرني بذلك في اليوم التالي، وفي المساء نفسه اختفى! ثم ادّعوا أنه سرق أموالًا وهرب.

تذكرتُ ذلك التقرير.. وتذكرتُ كيف وقّعتُ عليه دون أن أقرأه بتمعّن.

سألتها:

— وهل كانت كذبة؟

امتلأت عينا “نورة” بالغضب:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *