الطفلة والمليونير ج٢ – محمد نور
كان نعمان يمر عليهم كل بعد ظهر، يحدث سارة عن العمل وعن تفاصيل الحياة البسيطة. كانت تبتسم وتضحك بصوت خفيض جداً، لكن ابتسامتها كانت تملأ المكان دفئاً.
في إحدى الليالي، أخرج نعمان علبة صغيرة كان قد أخذها من دينا قبل رحيلها؛ كان فيها رسالة قديمة اصفرت أوراقها من أم ليان الحقيقية:
«لا أستطيع الاحتفاظ بكِ، فلا أملك ما أعينكِ به على الحياة… لكنني آمل أن يمنحكِ من يجدكِ الحب والرعاية اللذين عجزتُ عن تقديمها لكِ… أنا أسفة».
حدقت ليان في الورقة، فسألها نعمان: «هل تريدين معرفة من كانت؟»
هزت رأسها بالرفض وقالت: «لا أحتاج لذلك، فأنا أعرف بالفعل من هي أمي… وهي مستلقية في تلك الغرفة هناك».
في أحد الأيام، طلبت سارة التحدث مع نعمان بمفردهما.
قالت له: «شكراً لك على كل ما فعلته… من أجلي، وبشكل خاص من أجل ليان».
«لا داعي لشكركِ يا سارة، لم أفعل سوى الواجب».
«بل هناك الكثير… لقد ظهرت في حياتنا عندما لم يكن هناك أحد».
أمسكت بيده وتابعت: «أطلب منك شيئاً واحداً… إذا حدث لي أي شيء، لا تدع ليان تظل بمفردها أبداً».
رد عليها بصوت ممتلئ بالصدق: «لن تكون بمفردها أبداً… أعدكِ».
قالت: «أنا أستأمنك عليها…».
كانت تلك آخر الكلمات التي دارت بينهما. وفي تلك الليلة، فاضت روح سارة بسلام أثناء نومها، دون ألم أو معاناة.
اقتربت ليان من جانب أمها، قبّلت جبهتها وهمست: «شكراً لكِ يا أمي». لم تصرخ، ولم تنفجر بالبكاء، بل أسندت رأسها على صدر أمها وكأنها لا تزال تستمع إلى نبضات قلبها.
كانت مراسم العزاء بسيطة وحميمة؛ حضرها نعمان، ومريم، والعجوز أم سمير، وأم أحمد (السيدة الخياطة)، والممرضة التي كانت تهتم بهما في المستشفى.
لم تُرِد ليان وضع الزهور على القبر، بل وضعت رسالة مطوية في كفن والدتها كتب فيها:
«كل شيء سيكون بخير يا أمي… الآن جاء دوري لأرعاكِ وأراقبكِ من هنا».
مرت الأشهر… اختفت دينا، وقيل إنها انتقلت إلى مكان بعيد، ولم يسأل نعمان عنها قط. استمرت ليان في دراستها ومدرستها، بينما أنهى نعمان المعاملات القانونية ليصبح وصيها الشرعي ورعايتها رسمياً. لم يكن الأمر سهلاً، لكن بعد كل ما مروا به، لم تكن هناك نهاية أصلح من هذه.
وفي أحد الأيام، أثناء تنظيف خزانة سارة، وجدت ليان صندوقاً مخبأً بعناية؛ فيه رسوماتها القديمة، ومناديل مطرزة، وأول رسالة كتبتها لأمها في الروضة… وتحت كل ذلك، وجدّت مظروفاً مغلقاً يحمل اسمها بخط يد أمها: