ادعى الافلاس ليختبر الناس – محمد نور

لم تسأله سمر قط عن مكان نومه، بل كانت تكتفي بإعطائه أشياء عملية بسيطة:

وشاحاً صوفياً من متجر للسلع المستعملة،

رواية جيب صغيرة،

وقُفازاً وجدته في صندوق المفقودات بالمطعم.

بدأ مالك يأتي مبكراً لمراقبتها أثناء عملها.

لاحظ كيف تحفظ سائقي الشاحنات المصابين بالسكري وتقدم لهم الفاكهة بدلاً من الفطائر. وكيف تضع قطع النقد المعدنية في صندوق الموسيقى لأرمل عجوز يأتي كل أربعاء. وعندما كسر شاب يعمل في المطبخ ثلاثة أطباق، ألقت باللوم على الأرضية المبتلة كي لا يطرده المدير.

في إحدى الليالي الهادئة، جلست سمر أمامه وهي تطوي المناديل الورقية:

— “لا تتحدث عن عائلتك أبداً.”

— “ليس لدي الكثير لأقوله.”

— “كل شخص لديه ما يقوله عن عائلته، وعادة ما يدفعون أموالاً طائلة لأطباء نفسيين ليقولوه.”

— “توفي والدي، وأمي تعيش في مدينة أخرى ونلتفت في الهاتف مرة كل شهر.”

— “وإخوتك؟”

— “لا يوجد.”

— “هذا يفسر الكثير.”

— “ماذا يفسر؟”

— “لديك هالة الولد الوحيد.”

رفع مالك حاجبيه:

— “وماذا يعني ذلك؟”

— “تبدو وكأنك تصاب بالاستياء عندما لا يدور الكون وفقاً لرغباتك.”

اندلعت منه ضحكة قوية قبل أن يستطيع إيقافها. صدم الصوت كلاهما.

ابتسمت سمر:

— “هكذا إذن! عليك أن تفعل هذا كثيراً.”

— “ليس لدي الكثير من الأسباب لأضحك.”

— “إذن سقف توقعاتك مرتفع للغاية.”

تلاشى شعورها بالبهجة عندما لاحظت إشعاراً بالمطالبة بالدفع يبرز من حقيبتها.

أومأ مالك برأسه نحو الحقيبة:

— “مشكلة؟”

— “مجرد رسالة غرامية معتادة من محصل الديون.”

— “كم المبلغ؟”

— “كثير.”

— “يمكنكِ التفاوض.”

— “تفاوضت.. وتفاوضهم يتلخص في الاتصال بي قبل الإفطار بدلاً من تقديم الإفطار لي.”

نظرت إلى المناديل:

— “كانت أمي مصابة بمرض العضال. تغطي التأمينات جزءاً من العلاج، ودفعتُ الباقي حتى لم يعد لدي ما أدفعه.”

— “تعازيّ الحارة.”

— “ولك أيضاً.”

— “هل لا تزالين مدينة للمستشفى؟”

— “بخمسة وثمانين ألف درهم.”

كان بإمكان مالك إلغاء الديون بمكالمة هاتفية واحدة. كان بإمكانه شراء المستشفى بأكمله.

لكنه جلس صامتاً، لأن مساعدتها كانت ستكشف كذبته.

أطلقت سمر ضحكة مريرة:

— “ينظر الناس إلى امرأة مثلي ويظنون أنهم يعرفون سبب معاناتها.”

— “امرأة مثلكِ؟”

— “امرأة ممتلئة القوام.. يظنون أنني كسولة، وأنني آكل طوال اليوم وألوم الآخرين على حياتي. لا يرون مناوباتي المضاعفة، ولا يعرفون أنني أنفقت كل مدخراتي لترتاح أمي.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *