مهر العروس- محمد نور قبل يوم واحد فقط من عقد قراننا، أرسل لي خطيبي رسالة غيّرت كل شيء. "أميرة، لقد ناقشنا الأمر كعائلة. مبلغ الـ 120 ألف دولار الذي اتفقنا عليه كمهر كبير جداً." "سنعطيكِ 12 ألفاً. ولا يزال هذا المهر رقماً جميلاً." "إذا كنتِ موافقة، فسنلتقي غداً في تمام الساعة الثامنة صباحاً عند المأذون." "وإن لم توافقي... فالأفضل ألا نتزوج." قرأتُ تلك الكلمات لمدة ثلاث دقائق. ثلاث دقائق بالتمام والكمال. بالأمس فقط، كانت والدته تمسك بيدي وتبتسم قائلة أمام الجميع: — نريد منكِ أن تعلمي كم نقدركِ. ما وعدنا به ليس إلا تعبيراً عن احترامنا لكِ ولعائلتكِ. وبعد أربع وعشرين ساعة فقط، فقدَ ذلك "الاحترام" صفراً من قيمته... ثم صفراً آخر! توقفت أصابعي معلقة فوق الشاشة، وفي النهاية كتبتُ كلمة واحدة: "مواقفة." أرسلتُ الرسالة، ثم حظرتُ طارق السعدي من واتساب، المكالمات، البريد الإلكتروني، وسائر وسائل التواصل الاجتماعي. نهضتُ من الأريكة ونظرتُ إلى اثنتي عشرة صندوقاً كانت مغلقة وجاهزة في وسط الصالة. كان رجال شركة النقل ينتظرون منذ ما يقرب من نصف ساعة. قلتُ لهم: — يمكنكم البدء الآن. أريدكم أن تأخذوا كل ما يخصني دون أن تتركوا شَيْئاً. في الثانية صباحاً، أدى صوت تحريك الأثاث في الممر إلى إيقاظ جارتي. فتحت السيدة أمينة الباب وهي ترتدي عباءتها فوق ملابس النوم. — أميرة؟ هل تنتقلين في هذا الوقت؟ — نعم يا خالة، أسفة جداً على الإزعاج. سلمتها علبة شوكولاتة كنتُ قد اشتريتها في ذلك المساء، وأضفت: — لن أعيش هنا بعد الآن. شكراً لكِ على لطفكِ معي طوال هذه السنوات. نظرتْ من خلفي نحو الشقة التي كانت تفرغ من محتوياتها: — هل حدث شيء مع طارق؟ ظننتُ أنكما ستتزوجان غداً! ابتسمتُ وقلت: — ليس بعد الآن. لم أشرح لها أي شيء آخر. كانت تلك الشقة ملكاً لطارق قبل أن نتعرف. وطوال ثلاث سنوات كان يكرر على مسامعي: "عندما تصبحين زوجتي، سيكون كل هذا ملكاً لكِ أيضاً." في تلك الليلة فقط، فهمتُ كم تساوي وعوده... كانت تساوي أقل من ورق الكرتون الذي استخدمتُه لأغراضي وأنا أرحل. عندما صعدتُ إلى شاحنة النقل، اهتز هاتفي برسالة من رقم غير معروف: "أميرة، كفي عن التصرف كالأطفال." "12 ألف دولار ليست بالمبلغ القليل." "تقول أمي إن عائلتكِ لا تبيع ابنتها بيعاً." "أنتظركِ غداً في الثامنة." "طارق." لم يسأل حتى عن سبب حظري له! كان متأكداً أنني مجرد غاضبة غضباً عابراً، وكان واثقاً تماماً من أنني سأظهر في الغد. فقد كان طارق ووالدته يعتقدان أنهما اكتشفا نقطة ضعفي الكبرى: كنتُ في الثالثة والثلاثين من عمري، وقضينا معاً ثلاث سنوات. كان حفل الزفاف مجهزاً، والبطاقات قد وُزعت... وبحسب رأيهما، فإن امرأة في موقعي لن تجرؤ على الرفض والبدء من الصفر. سألني سائق الشاحنة: — إلى أين نتجه؟ أعطيته العنوان، فنظر إليّ عبر المرآة العاكسة متفاجئاً: — إلى أبراج اللؤلؤ؟ أومأتُ برأسي. كان ذلك واحداً من أرقى المجمعات السكنية في المدينة. شقة بادروم (بنتهاوس) بمساحة أربعمائة متر مربع كانت بانتظاري هناك. أردتُ شراؤها قبل أسبوع واحد فقط، وفي عقد الملكية لم يكن هناك سوى اسم واحد: أميرة البكري... اسمي أنا. لم يعلم طارق قط أنه بينما كانت عائلته تتناقش حول القيمة التي يمكنهم خفضها من "ثمن" الزواج بي، كنتُ أتمم أكبر صفقة في حياتي. قبل خمسة عشر عاماً، استثمرتُ مدخراتي وسنوات عملي في شركة تقنية صغيرة أسسها ثلاثة من أصدقائي، واستحوذتُ على 15% من أسهمها التأسيسية. وفي بعد ظهر اليوم السابق، أغلقت الشركة جولة استثمارية جديدة وصعدت تقييماتها أضعافاً مضاعفة، وأصبحت حصتي تساوي أموالاً لا تستطيع عائلة طارق جمعها حتى لو عملوا لعقود! وكان العجيب والمضحك في الأمر أن طارق كان دائماً يسخر من تلك الشركة ويقول: "تجارة وهمية... تطبيقات، برمجيات، مستثمرون... أما أنا فأفضل الشركات الحقيقية على أرض الواقع!" في الرابعة صباحاً، كنتُ أقف أمام النوافذ الزجاجية لشقتي الجديدة أراقب أضواء المدينة. اتصلت بي صديقتي المقربة "سارة". صرخت بمجرد أن رددتُ عليها: — قولي لي إن هذا ليس صحيحاً! هل خفّض طارق المبلغ من 120 ألفاً إلى 12 ألفاً قبل الزفاف بيوم واحد؟! — نعم. — وماذا فعلتِ؟! أخذتُ رشفة ماء وقلتُ بهدوء: — انتقلتُ إلى شقتي الجديدة. ساد الصمت لثانيتين، ثم انفجرت سارة ضاحكة: — أعشق تصرفاتكِ! لكنها سرعان ما عادت للجدية: — أين أنتِ الآن؟ تعالي إلى بيتي. — لا داعي، لدي مكان أقيم فيه... ولكن أريد منكِ خدمة غداً. — ما تشائين. — في السابعة والنصف صباحاً، اذهبي إلى المبنى القديم. — لماذا؟ — أريدكِ أن تري من سيأتي. فهمت سارة المقصد فوراً: — هل تعتقدين أنه سيأتي مع عائلته؟ — طارق طالما كان يحب وجود الجمهور. في الصباح التالي، وفي تمام الساعة 7:42، وصلتني أول صورة. كان طارق يقف في الأسفل، ولم يكن وحده! كان هناك أسطول من ست سيارات مزينة، بالونات، ورود، مصوران، والداه، أعمامه، وأقرباؤه... حتى أصدقاؤه حضروا! كان طارق يرتدي بذلته الرسمية، بينما كانت والدته "سميحة" ترتدي فخماً وكأنها حافلة بحضور حفل ملكي. تحت الصورة، كتبت سارة: "هذه ليست زيارة عادية... لقد جاءوا ليعرضوا مسرحية!" ابتسمتُ... بالطبع! كانوا يتوقعون أن يجدوني أبكي خلف الباب، ويتوقعون أن يصل طارق محاطاً بعائلته ليمنحني فرصة "لإنقاذ ماء وجهي"، وأن أستسلم أنا خوفاً من الخجل أمام الناس. في الساعة 7:56 وصلتني رسالة أخرى: "إنهم يصعدون في المصعد." وفي الساعة 8:01، أرسلت سارة مقطع فيديو. كان طارق يطرق الباب بقوة: — أميرة، افتحي الباب... يكفي هذا العبث! وقالت والدته من خلفه: — المرأة العاقلة هي من تعرف متى تتخلى عن كبريائها. طرَق طارق الباب مرة أخرى... ولا رد. عندها أخرج مفتاحه الخاص، فتح الباب، ودخل. لعدة ثوانٍ، لم ينطق أحد بكلمة. كانت الصالة فارغة تماماً. الجدران جردت من اللوحات، والخزائن فارغة. لا ملابس، لا أحذية، لا أدوات زينة، ولا صور... حتى كوب واحد لي لم يعد موجوداً في المطبخ! ثلاث سنوات من حياتي معهم اختفت وتبخرت في ليلة واحدة. في الفيديو، كان طارق يتنقل من غرفة إلى أخرى بسرعة متزايدة: — أميرة؟! فتح غرفة النوم... فارغة! غرفة الملابس... فارغة! الحمام... فارغ! توقفت والدته عن الابتسام وقالت بذهول: — أين أغراضها؟! أخرج طارق هاتفه واتصل بي... "محظور". أعاد الاتصال... "محظور". ولأول مرة، تغيرت معالم وجهه. لم يعد يبدو غاضباً... بل كان يبدو مرعوباً! وفيمَ كان الجميع يتساءلون في ذهول عن مكاني، أرسلت لي سارة رسالة أخيرة: "أميرة... والدته تقول التو إن هذا أمر مستحيل!" نظرتُ إلى الشاشة ورسَمتُ ردّي: "قولي لها إن المستحيل الحقيقي لم يبدأ بعد." في الساعة 8:17 من ذلك الصباح، تمكن طارق من الاتصال بي من هاتف ابن عمه. رددتُ عليه... لا لرغبتي في الحديث معه، بل لأنني أردتُ أن أسمع ما هي الرواية التي حبكها في عقله عن هذه الأزمة. — أين أنتِ؟ — سألني دون حتى أن يلقي السلام. — صباح الخير يا طارق. — أين أنتِ بحق السماء؟! سمعتُ في الخلفية أصواتاً متداخلة؛ كانت والدته تسأل عن شيء ما، وشخص آخر يغلق الباب. — أنا في بيتي. ساد الصمت لثوانٍ قبل أن يسأل: — ماذا تقصدين بـ "بيتكِ"؟ — ما قيل يُفهم معناه تماماً. تغيرت أنفاسه وقال بغضب: — أميرة، كفي عن هذه الألاعيب! لدينا موعد عند المأذون! نظرتُ إلى ساعتي وقلت: — كان لدينا موعد. — هل كل هذا التصرف بسبب المال؟! ضحكتُ لأول مرة في ذلك الصباح: — لا. — إذن لماذا؟! — لأنك ألقيتَ عليّ إنذاراً أخيرًا. — لم يكن إنذاراً! — بل قلت: "إما أن توافقي أو لا نتزوج"، وأعتقد أن العبارة كانت واضحة جداً. — أردتكِ فقط أن تكوني عقلانية! — وأنا وافقتُ على شرطك! — ماذا؟! — قلتَ إنه إن لم أقبل بشروطك الجديدة فلا زواج بيننا، وأنا أجبتك: "مواقفة". سكت طارق. يبدو أنه كان يعيد شريط المكالمة في ذهنه، ثم قال: — عندما قلتِ "مواقفة"، ظننتُ أنكِ قبلتِ بمبلغ الـ 12 ألفاً! — وذاك كان خطأك الشنيع. في الخلفية، ارتفع صوت والدته سميحة: — افتح مكبر الصوت! أطاعها طارق، فجاءني صوتها جلياً ناعماً على غير العادة: — أميرة يا حبيبتي، أعلم أنكِ غاضبة، لكن الأمر زاد عن حده كثيراً. (تلك المرأة لم تكن تناديني بـ "حبيبتي" إلا عندما تريد مصلحة ما!) — لستُ غاضبة يا طنط سميحة. — إذن عودي... الناس هنا، والجميع حضروا ليفرحوا بكما! — أنا لم أدعُ أحداً. — لا يمكنكِ أن تفضحي عائلتنا بهذا الشكل أمام الناس! وهنا ظهر المستور! لم تتصل لتبدي حزنها، لم تسأل إن كنتُ بخير، ولم تكلف نفسها معرفة سبب قيام امرأة كانت تجهز لزفافها طوال ثلاث سنوات بحزم أمتعتها والرحيل في منتصف الليل... كل ما كان يهمها هو "كلام الناس والفضاحة"! — أنا لم أفضح أحداً —أجبتها ببرود—، أنتم من أقام مسرحية دون أخذ رأيي. — لأنكِ كنتِ ستصبحين زوجة ابني! — ليس بعد الآن. عم السكون على الخط، فسارع طارق للحديث: — لا تقولي كلاماً فارغاً! — ليس كلاماً فارغاً. — نحن معاً منذ ثلاث سنوات! — أعلم. — عمرنا ثلاثة وثلاثون عاماً يا أميرة! هل ستلقين بكل شيء في السلة وتبدأين من الصفر؟! حينها فهمتُ أن هذا القرار لم يكن وليد اللحظة؛ بل كان تحليلاً درساً معاً قبل أن يرسل الرسالة. حسِبا عمري، والسنوات التي قضيتها معهم، والضغط الاجتماعي، والبطاقات الموزعة... حسِبا كمية الإهانة التي يمكن أن أتحملها فقط لتجنب الشعور بأنني "أضعت" ثلاث سنوات من عمري! — طارق —قلتُ له— ثلاث سنوات هي سبب كافٍ لألا أضيع سنة رابعة. ثم أغلقتُ الخط. خلال الساعات التالية، تلقيتُ أكثر من أربعين مكالمة من أرقام غير معروفة. شقيقته، خالاته، صديقه المقرب... كلهم يحملون نفس الرسالة بصيغ مختلفة: "تحدثا كبالغين"، "لا تدمري مستقبلكِ بسبب الكبرياء"، "طنط سميحة كانت تحاول فقط حماية مال ابنها"، "طارق يحبكِ"، "الزواج يتطلب تضحيات!" وكان الغريب أن كلمة "تضحية" كانت تُوجه لي دائماً... ولا تُذكر أمامه هو أبداً! وفي الظهيرة، ذهبت والدته إلى أبعد من ذلك؛ إذ اتصلت بأمي. وكان ذلك أكبر خطأ ارتكبته! فوالداي يعلمان منذ سنوات أنني لستُ بحاجة لأموال عائلة السعدي. بل إن المهر الأول لم يكن حتى رغبة عائلتي، بل كانت "طنط سميحة" هي من أصرت عليه في المجالس العائلية لتظهر أمام الأقارب بأن "عائلة السعدي تدفع المهر الفلاني لإكرام كناتهم". وكان والدي يقول لها مراراً: "نحن لا نشتري ولا نبيع، ولا نطلب كل هذا." لكنها كانت تصر... لأنه لم يكن إكراماً، بل كان حب للظهور! وبعد أن تتبعت خطى الزفاف واكتمل كل شيء، قرروا تخفيضه إلى العُشر ليختبروا مدى سيطرتهم عليّ! اتصلت بي أمي بعد أن أنهت المكالمة معها: — هل تريدين أن يتدخل والدكِ؟ — لا داعي يا أمي. — سميحة تقول إنكِ تتصرفين بدوافع عاطفية غير متزنة. — بل أنا في أقصى درجات هدوئي. ضحكت أمي وقالت: — هذا أكثر ما يجب أن يرعبهم! في بعد ظهر اليوم التالي، أعلنت إحدى الصحافات الاقتصادية عن الجولة الاستثمارية للشركة التقنية بتقييم ضخم بمليارات الريالات. لم يُذكر اسمي في الخبر، لكن صورة قديمة للمؤسسين الأوائل بدأت تنتشر في مجتمعات الأعمال... وكنتُ فيها أقف بجانب المؤسسين في بداياتنا. اتصلت بي سارة في الحادية عشرة: — أعتقد أن لدينا تطوراً جديداً! — ما هو؟ — طارق علم بالأمر! بعد خمس دقائق، وصلتني منه رسالة بريدية: "علينا أن نتحدث." لم أرد. ثم أتبعها بأخرى: "هل أنتِ شريكة في شركة (نوفاكور)؟" صمت. "أميرة، ردي علي!" في 12:17 اتصل من رقم آخر، فرددتُ بدافع الفضول. لم تكن نبرته تحمل غرور الأمس، بل كانت خالية تماماً من العلياء: — كم تملكين؟! لا "أهلاً"، لا "أسف"، ولا "اشتقتُ لكِ"! فقط: "كم تملكين؟"! أغمضتُ عيني لبرهة... أحياناً سؤال واحد كفيل بأن يؤكد لك صحة قرارك أكثر من ألف اعتذار! — عفواً؟ — الأسهم... كم نسبتكِ في الشركة؟! — ولماذا يهمك الأمر؟ — لأننا سنتزوج! — لا، لن نتزوج. — أميرة... — لغينا الزواج يا طارق. — لا يمكنكِ اتخاذ قرار كهذا بين عشية وضحاها! — أنت من فعل ذلك قبلي. — كان الأمر مختلفاً! — بالطبع... تنهد بحدة وقال: — اسمعيني، الأمس كنتُ تحت ضغط شديد. — ضغط من؟ — من والديّ. — عمرك خمسة وثلاثون عاماً يا طارق! — هذا لا يعني أنني لا أحترم رأيهما! — "الرأي" هو أن يقولا لك: "نعتقد أن عليك إعادة التفكير"، أما أن تتخذ قراراً بـ "تعديل اتفاقنا وإعطائي مهلة حتى الغد للقبول"، فهذا تحكّم وليس رأياً! — يمكننا العودة للمبلغ الأصلي (120 ألفاً)! ابتسمتُ... ها هو السعر المحدث لكرامتي قد ظهر! — لا أريد الـ 120 ألفاً. — إذن انسَي المال تماماً! نتزوج بدون أي مبالغ أو مهر! — ولا أريد الزواج منك أصلاً. ساد صمت طويل حتى ظننتُ أنه أغلق الخط، ثم قال: — هل هناك شخص آخر في حياتكِ؟ ذهلتُ من السؤال حتى كدتُ أضحك: — لا. — إذن أنا لا أفهم! — وهذه هي المشكلة بالضبط! وأغلقتُ الخط. في تلك الليلة، جاء طارق إلى مقر عملي القديم، فلم يسمح له رجال الأمن بالصعود. وفي اليوم التالي أرسل زهوراً... فرددتها. ثم أرسل رسالة اعتذار ورقية... فلم أفتحها. وفي اليوم الثالث، ارتكب خطأ أثار غضبي حقاً؛ حيث نشر منشوراً على حسابه قاططاً فيه الكلام: "هناك أشخاص تتغير معادنهم بمجرد أن يدخل المال في المشهد... أحياناً لا تعرف حقيقة أحدهم إلا قبل الزفاف بلحظات." أرسلت لي سارة لقطة شاشة وقالت: — هل تريدين أن أرد عليه وأمسح به الأرض؟ — لا، ليس بعد. فقد كان هناك شيء لا يعلمه طارق... خلال فترة خطبتنا، لم أتدخل قط في أعمال عائلته التجارية، لكن قبل الزفاف بأشهر، عندما بدأت والدته تصر على دمج بعض استثماراتهم مع مستقبلي الزوجي، نصحتني محاميتي بإجراء فحص مالي سريع لأعمالهم. وما وجدناه لم يكن يسُرّ؛ فشركة مواد البناء التي يملكها والده كانت تعاني من أزمة سيولة، وديون متراكمة، ومشاكل مع الضرائب ينسق معهم المحاسب لتغطيتها. لم يكن أي من ذلك يعنيني، إلى أن بدأت "طنط سميحة" تتحدث أمام المعارف بأنني "طماعة" وتركتُ ابنها لأنني أردتُ مالاً أكثر! عندها قررتُ أن أضع حداً لهذه المهازل. لم أسرب وثائق، ولم أهدد أحداً... فقط كتبتُ منشوراً قصيراً على حسابي: "منعاً للشائعات: لم ألغِ زفافي بسبب رفض إعطائي المال، ولم أطلب أو أكن بحاجة لأي تعويض مالي. انتهى الزواج لأن طرفاً واحداً قام بطلب تعديل اتفاق أساسي قبل الزفاف بـ 24 ساعة بشرط (إما القبول أو لا زواج). فاخترتُ الخيار الثاني. أتمنى للجميع التوفيق ولن أتحدث في هذا الموضوع مجدداً." كان هذا كل ما كتبته! لكن شبكات التواصل قامت بالباقي... بدأ أشخاص عملوا سابقاً مع عائلة السعدي بالتعليق؛ فكتبت موظفة سابقة عن معاملة سميحة الاستعلائية للناس، وذكر أحد الموردين أن شركة والد طارق تماطل في دفع المستحقات منذ أشهر! للمزيد من الروايات الحصرية انضمو لجروبنا الجديد : روايات محمد نور بل إن زميلاً لطارق كتب: "قبل أن تعطي دروساً عن طمع الآخرين، ربما عليك تحقيق أهدافك الوظيفية أولاً." وبعد يومين، قام طارق بحذف منشوره... لا عن مراجعة للنفس، بل لأن مديره في العمل شاهد المنشور، ولأن شركته كانت تدرس ترقيته، وتحويل مشاكله الشخصية إلى حرب علنية أضر بسمعته المهنية الضئيلة أصلاً، فتأجلت ترقيته! اتصلت بي سميحة وهي تشتعل غضباً: — هل أنتِ سعيدة الآن؟ دمرتِ مستقبَل ابني! — أنا لم أنشر تقييمه الوظيفي يا طنط. — كل هذا بدأ بسببكِ! — لا، كل هذا بدأ عندما أردتم اختبار مدى قدرتكِ على إهانتي وتقليل قيمتي قبل أن أرحل. — نحن فقط غيرنا مبلغاً مالياً! — بالضبط، وأنا فقط غيرتُ رأيي في الزواج. — هذا ليس نفس الشيء! — بالنسبة لكِ ربما... أما بالنسبة لي فهو كذلك. كانت أنفاسها تعلو وتطرق، ثم قالت: — طارق يحبكِ! — طارق اتصل بي عندما عرف بأمر الأسهم، وكان أول سؤال سأله: "كم تملكين؟"! سكتت، ثم قالت: — هذا لا يعني شيئاً! — بل يعني لي كل شيء... ماذا تريدين الآن؟ كان سؤالها مضحكاً، فأجبت: — لا شيء. — تريدين اعتذاراً علنياً؟ — لا. — تريدين أن يوقع طارق على عقد اتفاق مالي يضمن حقوقكِ؟ — لا. — إذن ماذا تريدين؟! نظرتُ إلى أضواء المدينة من نافذة شقتي وقلت: — أريد منكم كف الاتصال بي. وأغلقتُ الخط. لم أسمع عنهم شيئاً لمدة أسبوع، وظننتُ أن القصة انتهت... لكنني كنتُ خاطئة. في يوم السبت التالي، اتصل بي موظف الاستقبال في البرج: — أستاذة أميرة، هناك رجل في الأسفل يدّعي أنه خطيبكِ. — ليس لدي خطيب. ساد صمت محرج قبل أن يقول: — يقول إنه لن يغادر حتى يتحدث معكِ. فتحتُ كاميرا البهو عبر تطبيق الهاتف؛ كان طارق يقف هناك بمفرده... بلا بذلة، بلا زهور، وبلا والدته. كان يبدو كمن لم ينم منذ أيام. فكرتُ لثوانٍ في إرسال الأمن ليخرجوه، لكنني غيرتُ رأيي... ليس رغبة في الصلح، بل لأغلق هذا الباب وأنا أنظر في عينيه. نزلتُ إليه، وبمجرد أن رآني وقف فوراً: — أميرة... لم أرد. فنظر حوله إلى الرخام، رجال الأمن، والنوافذ الشاهقة... كان هذا هو نوع المباني التي طالما مر من أمامها قائلاً: "أطمح أن أعيش في مكان كهذا يوماً ما." تمتم وهو ينظر إليّ: — إذن الأمر صحيح... أنتِ تعيشين هنا. — نعم. — اشتريتِ هذا المكان؟ — نعم. انقبض وجهه وقال: — قبل أن ننهي علاقتنا؟ — قبلها بأسبوع. — ولم تخبريني؟! أذهلني سؤاله، فأجبته: — كنتُ سأخبرك بعد الزواج... كسبق ومفاجأة لك. أطرق طارق رأسه، ولعلها المرة الأولى التي يستوعب فيها حجم الفارق؛ فبينما كان هو ووالدته يعدّان لي فخاً مالياً واختباراً لكرامتي، كنتُ أعد له بيتاً وحياة لنشاركها معاً! للمزيد من الروايات الحصرية انضمو لجروبنا الجديد : روايات محمد نور قال بصوت خافت: — أمي هي من اقترحت الفكرة... قالت إن 120 ألفاً مبلغ كبير، وإن عائلتكِ أصبحت ملتزمة بالزواج ولن تلغي كل شيء من أجل مبلغ. — وأنتَ ماذا قلت؟ — لم أكن موافقاً في البداية... — لكنك نفذت! — ظننتُ أنه... من الأفضل توفير المال لمستقبلنا. — لمستقبلنا؟ إذن لمَ لم تتصل بي وتقول: "أميرة، أنا قلق بشأن ميزانيتنا، هل يمكننا النقاش؟"! أغمض عينيه وقال: — أعلم... — بدلاً من ذلك أعطيتني 24 ساعة، وهددت بإلغاء الزواج لأنك ظننتَ أنني لا أملك الشجاعة للرحيل! لم يجب... ولم يكن بحاجة للإجابة. سألته: — هل كنتَ ستأتي لتبحث عني هكذا لو لم تكتشف أمر أسهمي في الشركة؟ رفع رأسه وقال: — بالطبع! — أمتأكد؟ — نعم! — إذن قل لي... لماذا عندما اتصلتَ بي بعد معرفتكَ بالخبر، كان أول سؤال نطق به لسانك: "كم تملكين؟"؟! فتح فمه... ولم تخرج منه كلمة واحدة. وكان ذلك الصمت هو الإجابة الكافية. جلس طارق ببطء وقال: — لقد دمرتُ كل شيء... — نعم. — يمكننا إصلاح الأمر! — لا. — أستطيع أن أتغير! — أتمنى لك ذلك... ولكن ليس من أجلي. نظر إليّ بعينين ذابلتين: — ثلاث سنوات يا أميرة! — أنا لا أكره هذه السنوات... كانت هناك أيام جميلة، وكنتُ أحبك حقاً. لم يكن قول ذلك تؤلمني كما ظننت. — لكن حب شخص ما لا يعني بالضرورة أنه الشخص المناسب لبناء حياة معه... الزواج لم يكن ليحل المشكلة، بل كان سيجعل خروجي منها لاحقاً أشد صعوبة. — ألم تفكري قط في إعطائي فرصة أخرى؟ — فكرتُ... لمدة خمس دقائق. — وما الذي غير رأيكِ؟ — سألتُ نفسي: ماذا لو لم أكن أملك هذا المال؟ لو كنتُ امرأة عادية براتب عادي، أعيش في شقتك، والزفاف أُعلن عنه، وأنا في الثالثة والثلاثين... هل كنتَ ستشعر بنفس هذا الخوف من فقداني؟ هل كنتَ ستأتي إلى هنا؟ هل كانت والدتك ستتصل لتعتذر؟ أم كنتم ستفترضون جميعاً أنني سأعود صاغرة لأنه لا خيار آخر لدي؟! كانت ملامحه المصدومة تجيب قبل أن ينطق. قمتُ من مقعدي وقلت: — مع السلامة يا طارق. وقف هو الآخر وقام بنظرة أخيرة وقال: — أنا أسف... نظرتُ إليه لثوانٍ... لأول مرة كانت كلماته تبدو كاعتذار حقيقي، لا كمفاوضات أو محاولة للاستعادة. — شكراً لك —قلتُها ورحلت. بعد ستة أشهر، بعتُ جزءاً صغيراً من أسهمي، لا لحاجتي للمال بل لتنويع استثماراتي، وأنقضتُ جزءاً منها لتأسيس صندوق يدعم النساء اللاتي يبدأن مشاريعهن التقنية الناشئة. أما طارق، فقد غير عمله وانتقل للعيش في مكان آخر، ولم تعد والدته تتصل بي أبداً. ومع مرور الوقت، زال الغضب من قلبي وحل محله الشعور بالامتنان... لا لأنهم عاملوني بشكل جيد، بل لأنهم كشفوا عن حقيقتهم قبل أن أوقع على عقد يربط حياتي بحياتهم قانونياً ومالياً. أحياناً يسألني البعض: "ألم تندمي؟ هل أنهيتِ علاقة ثلاث سنوات من أجل مبلغ مالي؟" وأجيب دائماً بنفس الرد: أنا لم أنهِ علاقتي من أجل المال... بل أنهيتها لأن الشخص الذي ادعى أنه يريد بناء حياة معي، حول زفافنا إلى اختبار للخضوع والإذعان. كان المال مجرد أداة، أما الرسالة الحقيقية فكانت: "أنتِ تورطتِ معنا بما فيه الكفاية ولن تجرؤي على الرحيل." وكانوا مخطئين! في تلك الليلة، خسرتُ خطيباً... لكنني استرددتُ شيئاً كنتُ أتنازل عنه تدريجياً دون أن أشعر: حريتي في تحديد قدر نفسي. وتعلمتُ درساً أخيراً: عندما يقول لك أحدهم: "إما أن تقبل بهذا... أو تفقدني"، فإن أقوى رد ليس العتاب، ولا التوسل، ولا محاولة إثبات الذات... أحياناً، كل ما عليك فعله هو أن تنظر إلى الباب، تبتسم، وتقول: "موافق"... وتخرج! خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد