مهر العروس – محمد نور
— أين أنتِ؟ — سألني دون حتى أن يلقي السلام.
— صباح الخير يا طارق.
— أين أنتِ بحق السماء؟!
سمعتُ في الخلفية أصواتاً متداخلة؛ كانت والدته تسأل عن شيء ما، وشخص آخر يغلق الباب.
— أنا في بيتي.
ساد الصمت لثوانٍ قبل أن يسأل:
— ماذا تقصدين بـ “بيتكِ”؟
— ما قيل يُفهم معناه تماماً.
تغيرت أنفاسه وقال بغضب:
— أميرة، كفي عن هذه الألاعيب! لدينا موعد عند المأذون!
نظرتُ إلى ساعتي وقلت:
— كان لدينا موعد.
— هل كل هذا التصرف بسبب المال؟!
ضحكتُ لأول مرة في ذلك الصباح:
— لا.
— إذن لماذا؟!
— لأنك ألقيتَ عليّ إنذاراً أخيرًا.
— لم يكن إنذاراً!
— بل قلت: “إما أن توافقي أو لا نتزوج”، وأعتقد أن العبارة كانت واضحة جداً.
— أردتكِ فقط أن تكوني عقلانية!
— وأنا وافقتُ على شرطك!
— ماذا؟!
— قلتَ إنه إن لم أقبل بشروطك الجديدة فلا زواج بيننا، وأنا أجبتك: “مواقفة”.
سكت طارق. يبدو أنه كان يعيد شريط المكالمة في ذهنه، ثم قال:
— عندما قلتِ “مواقفة”، ظننتُ أنكِ قبلتِ بمبلغ الـ 12 ألفاً!
— وذاك كان خطأك الشنيع.
في الخلفية، ارتفع صوت والدته سميحة:
— افتح مكبر الصوت!
أطاعها طارق، فجاءني صوتها جلياً ناعماً على غير العادة:
— أميرة يا حبيبتي، أعلم أنكِ غاضبة، لكن الأمر زاد عن حده كثيراً.
(تلك المرأة لم تكن تناديني بـ “حبيبتي” إلا عندما تريد مصلحة ما!)
— لستُ غاضبة يا طنط سميحة.
— إذن عودي… الناس هنا، والجميع حضروا ليفرحوا بكما!
— أنا لم أدعُ أحداً.
— لا يمكنكِ أن تفضحي عائلتنا بهذا الشكل أمام الناس!
وهنا ظهر المستور! لم تتصل لتبدي حزنها، لم تسأل إن كنتُ بخير، ولم تكلف نفسها معرفة سبب قيام امرأة كانت تجهز لزفافها طوال ثلاث سنوات بحزم أمتعتها والرحيل في منتصف الليل… كل ما كان يهمها هو “كلام الناس والفضاحة”!
— أنا لم أفضح أحداً —أجبتها ببرود—، أنتم من أقام مسرحية دون أخذ رأيي.
— لأنكِ كنتِ ستصبحين زوجة ابني!
— ليس بعد الآن.
عم السكون على الخط، فسارع طارق للحديث:
— لا تقولي كلاماً فارغاً!
— ليس كلاماً فارغاً.
— نحن معاً منذ ثلاث سنوات!
— أعلم.
— عمرنا ثلاثة وثلاثون عاماً يا أميرة! هل ستلقين بكل شيء في السلة وتبدأين من الصفر؟!
حينها فهمتُ أن هذا القرار لم يكن وليد اللحظة؛ بل كان تحليلاً درساً معاً قبل أن يرسل الرسالة. حسِبا عمري، والسنوات التي قضيتها معهم، والضغط الاجتماعي، والبطاقات الموزعة… حسِبا كمية الإهانة التي يمكن أن أتحملها فقط لتجنب الشعور بأنني “أضعت” ثلاث سنوات من عمري!