المليونيرة صاحبة المخبز – محمد نور
— قهوة سوداء.. بدون سكر.
سقطت الملعقة من يدي.. رفعتُ رأسي.
كان طارق يقف أمام منصة البيع. بدلة سوداء، ومعطف مبتل، والوجه البارد نفسه. لكنه لم يكن ينظر إلى قائمة الطعام.. كان ينظر إلى لطيفة.
كانت ابنتنا تجلس على طاولة صغيرة، تضحك بينما يمسح رجلٌ بعض الشوكولاتة عن أنفها.
كان ذلك الرجل هو خالد.. المحامي الذي اتصلتُ به ليلة طلاقي.
تطلع طارق إلى المشهد لثوانٍ، ثم نظر إلى اللوحة المعلقة خلفي:
المالكة: سارة
ولأول مرة منذ عرفته… رأيتُ الخوف في عينيه.
سأل بنبرة مضطربة:
— ما معنى هذا الاسم؟
وقبل أن أجيب، نهض خالد ببطء، واستند إلى المنصة، ثم وضع عليها ملفاً بنياً وقال:
— معناه أننا عرفنا أخيراً ما حدث لوالد سارة.
شحب وجه طارق تماماً وضاع منه كل لون.. وفي تلك اللحظة، فهمتُ أن طليقي كان يعلم شيئاً.. شيئاً لم يخبرني به قط.
الجزء الثاني
لثوانٍ معدودة، لم ينطق أحد بكلمة.
كان المطر يضرب زجاج المخبز بقوة حتى بدا وكأن أحداً يلقي حصى صغيرة على النوافذ.
كانت لطيفة تجلس على كرسيها الصغير غير مدركة للتوتر القائم، وفي يدها قطعة كعك وهي تنظر إلى طارق بفضول.
مرت عشرة أشهر منذ آخر مرة كان فيها هذا الرجل قريباً بما يكفي ليمس ابنته.. ومع ذلك، ما إن عرفته لطيفة حتى أضاءت عيناها، وفتحت ذراعيها وهتفت:
— بابا!
إغماضة عين واحدة.. كلمة واحدة من الصغيرة جعلت طارق يغمض عينيه ألمًا.
مجرد ثانية.. لكنني رأيتها. رأيته يضغط على فكه ويقبض يده اليمنى، ورأيت في عينيه شيئاً لم أعرفه فيه طوال ثلاث سنوات: الألم.
حاولت لطيفة النزول من الكرسي وهي تنادي مجدداً، وبصوت أعلى هذه المرة.
خطا طارق نحوها خطوة، لكنني اعترضت طريق فوراً:
— لا.
توقف وقال:
— سارة..
— لا تدخل هنا بعد عشرة أشهر وتتظاهر بأنك والدها.
— لم آتِ لأتشاجر معكِ.
— إذاً لقد اخترت المكان الخاطئ.
كان المحامي خالد يقف إلى جانبي. لم يمسسني ولم ينظر إلي حتى، لكن وجوده يمنحني طمأنينة لم أشعر بها يوماً بجانب طارق.
نظر طارق إلى الملف البني وسأل:
— ما الذي لديك هناك؟
فأجابه خالد:
— السؤال الأفضل هو: ما الذي لديك أنت؟
— لا أعرف عما تتحدث.
— بل تعرف تماماً.
فتح خالد الملف وأخرج منه صوراً عديدة: صورة لتقاطع طرق، صورة لشاحنة، وصورة ثالثة للسيارة التي صدمت والدي.