النصاب – محمد نور
استجمعت أنفاسي وسحبت نفساً عميقاً لأهدئ ضربات قلبي المتسارعة، وسرعان ما حل الغضب محل الصدمة. قمت فوراً بإلغاء نموذج السحب النقدي وأخفيت جميع أوراقي ووثائقي الهامة داخل الخزنة الحديدية.
بعد ساعة واحدة، كنت أجلس في زاوية خافتة الإضاءة بأحد مقاهي وسط المدينة. حضرت رانيا وهي تحمل ملفاً أسود ضخماً. كان الإرهاق جلياً على وجهها، لكن عينَيها كانتا تنضحان بالحزم.
فتحت الملف أمامي؛ كان يحتوي على صور لبطاقات شخصية لفتاتين أخريين، ووثائق لطلبات قروض غير قانونية، وعقود استثمار وهمية—جميعها استُخدمت فيها أسماء ضحايا هشام السابقين.
قالت رانيا بصوت خفيض ولكن حاد: “هشام وسليمان—الذي ليس والده البيولوجي بل شريكه في الجرائم—يستخدمان هذه الحيلة لسداد ديون القمار وتغطية نمط حياتهما الباذخ. هشام لم يطلب صورتك الشخصية لمجرد كسب ثقتك، بل ليدرج اسمك ككفيل ويستخرج قروضاً باسمك بعد أن يفر بمبلغ الخمسمائة ألف ريال.”
سألتها بصوت خنقته العبرة: “ولماذا تخبرينني بكل هذا؟”
نظرت إلي رانيا بعمق وقالت: “لأنني لا أريد لابنتي أن تكبر على أموال جُمعت من إدمار حياة نساء أخريات. لقد تعبت من تهديداته واستغلاله لي، وآن الأوان لوضع حد لهما.”
في تلك الليلة، وضعنا خطة محكمة. توجهنا إلى مركز الشرطة برفقة محامٍ اتصلت به رانيا، وقدمنا كافة الأدلة من رسائل، وصور، ووثائق مزورة، ومعلومات عن الضحايا السابقين.
في صباح اليوم التالي، عند الساعة الثامنة والنصف تماماً.
كان هشام ينتظرني داخل سيارته أمام المنزل، يرتدي قميصاً أنيقاً ويتصرف كأنه الخطيب المحب والابن البار القلق على والده.
خرجت من المنزل وأنا أحمل حقيبة تسوق كبيرة وثقيلة.
ابتسم هشام ابتسامة عذبة من خلف عجلة القيادة وقال: “ندى! هل أنت جاهزة؟ هيا أسرعي، يجب أن نذهب للبنك ثم إلى المستشفى فوراً لإنهاء إجراءات والدي.”
ركبت السيارة وجلست بجانبه، ووضعت الحقيبة على ركبتي.
برقت عينا هشام وهو ينظر بلهفة إلى الحقيبة: “هل المبلغ داخل هذه الحقيبة؟”
أجبته ببرود تام: “نعم، خمسمائة ألف ريال نقداً… كلها هنا.”
“شكراً جزيلاً يا حبيبتي! لقد أنقذت حياة والدي!” احتضن كتفي وحاول تقبيل جبيني.
منعته برفق وقلت: “هشام، قبل أن نذهب، أين والدك الآن؟”
أجاب بارتباك ملحوظ: “إنه في غرفة العناية يا ندى… لماذا تسألين؟”