المرأة المشردة-حكايات محمد نور

العرّاب والمرأة المشردة: سرُّ الجدائل التي كشفت وريثة المليارات

 

الجزء الأول

 

لم يكن أول ما شدّ الأنظار في أفخم صالون تجميل بأرقى أحياء العاصمة رجالُ الأمن الذين أغلقوا المداخل، ولا السيارات السوداء ذات الزجاج الداكن المصطفة في الخارج.

 

بل كانت الرائحة.

 

رائحة مطرٍ عالق بالملابس، ودخانٍ قديم، ومجارٍ آسنة، وسنواتٍ من النوم في زوايا الشوارع التي يتجنب الجميع حتى النظر إليها.

 

دخلت المرأة ببطء، يكسوها عدد لا يحصى من الثياب البالية، وحذاؤها يكاد يتفكك، ويداها شاحبتان من قسوة البرد.

 

لكن ما جمّد الحاضرات في أماكنهن لم يكن مظهرها…

 

بل شعرها.

 

لم يكن ينسدل خلفها، بل كان يجرّ نفسه فوق الأرض كعباءة ثقيلة. كتلة هائلة متحجرة، تجاوز طولها مترين، اختلطت فيها خصل الشعر بأوراق الأشجار والأسلاك والأتربة وقطع البلاستيك، حتى بدا وكأنها تحمل سنوات عمرها كلها فوق رأسها.

 

همست إحدى الزبونات بفزع:

 

— أخرجوا هذه المرأة من هنا!

 

وقبل أن يتحرك أحد، دوّى صوت منخفض، لكنه حمل من الهيبة ما أسكت الجميع:

 

— لا أحد يلمسها.

 

كان المتحدث هو سلطان اليماني؛ الرجل الذي يعرفه الجميع، ويهابونه أكثر مما يعرفونه.

 

تقدّم إلى مكتب الاستقبال، ووضع حقيبة سوداء صغيرة فوقه.

 

— هنا مليون ومائتا ألف ريال… ألغوا جميع المواعيد، وادفعوا رواتب مضاعفة للموظفين، واليوم كله سيكون من أجلها.

 

ابتلع طارق، مدير الصالون، ريقه بصعوبة.

 

— سيد سلطان… نحن صالون تجميل، ولسنا مركزًا للعلاج.

 

رفع سلطان عينيه نحو المرأة التي أخفت ملامحها خلف تلك الكتلة الهائلة من الشعر، وقال بهدوء لا يقبل النقاش:

 

— لقد أنقذت حياتي.

 

—

 

قبل أربعٍ وعشرين ساعة…

 

كان سلطان ينزف في زقاقٍ ضيق من أحياء المدينة القديمة.

 

خيانة واحدة كانت كافية لتحوله من مطاردٍ إلى فريسة.

 

كان رجال خصومه يجوبون المكان تحت المطر، يسلطون مصابيحهم خلف كل زاوية، وبين أنقاض مسرحٍ مهجور، بينما كان هو يختنق من شدة النزف.

 

حينها…

 

امتدت إليه يد متسخة من بين الظلام.

 

لم تنطق المرأة بكلمة.

 

سحبته خلف براميل القمامة، ثم أسقطت كتلة شعرها فوقهما كأنها غطاء كثيف.

1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *