المرأة المشردة-حكايات محمد نور
شدّت سديم قبضتها حتى ابيضّت أصابعها.
— عمي… بدر.
تجمد سلطان.
— تتذكرينه؟
أغمضت عينيها للحظة.
ثم خرج صوتها كأنه قادم من ليلة الحريق نفسها.
— أمي أخفتني داخل غرفة الغسيل… خلف جدارٍ سري.
ارتجفت أنفاسها.
— سمعت رجلًا يقول: “السيد بدر سيحصل على حصته كاملة.”
توقفت.
— ثم رأيت يدًا تفتح خزنة أبي…
رفعت نظرها ببطء.
— كانت ترتدي خاتمًا فضيًا بحجر أخضر.
أطلق صقر لعنة مكتومة.
فذلك الخاتم…
لم يفارق يد راكان السيّد منذ أكثر من عشرين عامًا.
—
بداية التحالف
في مساء اليوم نفسه، نقل سلطان سديم إلى شقته في حي المربع.
لم يقدم لها وعودًا.
اكتفى بأن فتح باب غرفة مستقلة، وقال:
— المفتاح معكِ… والقفل لا يفتحه سواكِ.
ثم أضاف:
— تستطيعين المغادرة متى شئتِ.
للمرة الأولى منذ سنوات…
شعرت سديم أن الباب المفتوح أكثر طمأنينة من كل الأبواب المغلقة.
نامت ثلاثة أيام متواصلة.
وفي الليلة الأولى، أيقظت الشقة كلها صرخاتها.
كانت تعيش الحريق من جديد.
جلس سلطان خارج الباب حتى ساد الصمت.
بعد دقائق…
انفتح الباب قليلًا.
ظهرت عينها فقط.
وقالت بصوت متعب:
«ابقَ… حيث أستطيع أن أراك.»
لم يقل شيئًا.
جلس مكانه حتى طلع الفجر.
ومن تلك الليلة…
ولد بينهما شيء لم يكن شفقة، ولا دينًا، ولا امتنانًا.
كان ثقةً بطيئة.
—
ذاكرة لا تخطئ
في اليوم الرابع طلبت دفترًا وقلمًا.
بدأت تكتب.
أسماء.
تواريخ.
اجتماعات.
سائقين.
محامين.
أعضاء مجالس إدارة.
لم تكن تتذكر كل شيء…
لكنها كانت تتذكر التفاصيل التي لا ينتبه إليها أحد.
من تهرب من النظر إلى والدها في آخر عشاء.
ومن أصبح ثريًا بعد الحريق بأشهر قليلة.
ومن اختفى فجأة ثم عاد يملك شركات وعقارات.
وقف سلطان يراقب الصفحات تمتلئ.
وأدرك شيئًا واحدًا.
لم تكن السنوات قد حطمت سديم…
بل منحتها ذاكرة لا ترحم.
—
المواجهة الأولى