المرأة المشردة-حكايات محمد نور
وبعدها بدأت تصرخ، وتضرب الأرض، وتتلوى بجنون، وكأنها تعاني نوبة صرع عنيفة.
تبادل المطاردون النظرات باشمئزاز، ثم ابتعدوا وهم يسبّون حظهم.
لم يفتش أحد خلفها.
لم يجرؤ أحد حتى على الاقتراب منها.
وهكذا… نجا سلطان.
وحين وصل رجاله بعد دقائق، سأل أحدهم وهو يحدق بها بذهول:
— زعيم… ما هذا؟
رمقه سلطان بنظرة حادة.
— اسمها نور… ومن هذه اللحظة، أصبحت تحت حمايتي الشخصية.
رفضت مرافقته في البداية.
ثم قالت بهدوء:
«بلا قيود… ولا يلمسني أي رجل.»
أجاب سلطان فورًا:
«أعدك.»
—
لحظة الحقيقة
بعد فحصٍ طويل، تنهد طارق وهو يتأمل كتلة الشعر.
— التشابك وصل إلى فروة الرأس… بل التصق بالجلد. وزن الشعر نفسه بدأ يؤذي فقرات رقبتها. لا يمكن إنقاذه… سنحتفظ ببضعة سنتيمترات فقط.
ثم نظر إلى سلطان.
— لكنها هي من يجب أن تقرر.
اقترب سلطان، لكنه توقف على مسافة احترامًا لوعده.
— القرار لكِ.
ارتجفت شفتاها.
ثم همست:
— إذا قصصتموه… سيرون وجهي.
ساد الصمت.
وأضافت بصوت يكاد لا يُسمع:
— وإذا رأوني… سيجدونني.
تأملها سلطان طويلًا.
— من الذي يبحث عنك؟
أغمضت عينيها، وكأنها تغوص داخل ذاكرة ممزقة.
— لا أتذكر الأسماء…
صمتت لحظة.
— أتذكر النار… الصراخ… وخاتم أمي وهو ملقى على الأرض.
ساد الصمت في الصالون.
وأخيرًا…
أومأت برأسها.
أُحضرت مقصات صناعية خاصة.
ومع أول ضغطة…
انفصلت أول جديلة متحجرة.
ارتجف جسد نور بعنف، ليس من الألم وحده، بل من خوفٍ لازمها سنوات.
أما سلطان…
فلم يتحرك.
كان قد وعدها ألا يلمسها.
وعندما سقطت كتلة الشعر على الأرض، دوّى ارتطامها كأن كيسًا مبللًا من الرمل أُلقي بقوة.
بعدها بدأت رحلة طويلة.
ماء دافئ.
زيوت.
مناشف.
وأيدٍ خبيرة تعمل بصبر شديد.
طبقة بعد أخرى…
بدأت ملامح المرأة المختبئة منذ سنوات تظهر للنور.
بشرة بيضاء ناصعة.
قوام ممشوق.
شعر أشقر داكن.
وعينان زرقاوان تميلان إلى البنفسجي، تحملان حزنًا عمره سنوات.