العشبة القاتلة

مرت الأشهر، وتغيرت الحياة في قصر “الصراف”.

استقال “نادر” لأنه لم يتحمل فكرة أن مطبخه أُستغل لتدبير جر/يمة.

بينما عادت “مريم” لدراسة فنون الطهي بعدما حصلت على منحة مدفوعة بالكامل من جهة مجهولة.

أما والدة “سالم”، فكانت ترسل كل يوم جمعة طبقاً من أكل البيت لعمال القصر.

وفي يوم من الأيام، تلقت “أمينة” عرضاً لم تتوقعه قط…

قال لها “بدر” وهو يقف في المطبخ:

— أريدكِ أن تتولي إدارة المطبخ بالكامل.

نظرت إليه بذهول من خلف طاولة التحضير الكبيرة:

— أنا؟

— نعم، أنتِ.

— ولكن هناك طهاة يملكون شهادات أعلى مني!

— أنا لا أبحث عن الشهادات.

عقدت “أمينة” ذراعيها وقالت بابتسامة خفيفة:

— أتبحث عن شخص يشم طعامك قبل أن تأكله؟

ولأول مرة… ضحك “بدر الصراف” بصوت عالٍ:

— وهذا أيضاً!

وافقت “أمينة” بشرط واحد: أن تسمح له بتوظيف وتشغيل الشباب والبنات من الأحياء البسيطة ممن يملكون الشغف لتعلم المهنة.

بعد عام واحد…

المطبخ الذي كاد أن يشهد مأساة ذات يوم، أصبح ينبض بالحياة، ممتلئاً بأصوات الشباب وهم يقطعون البصل، ويعجنون الخبز، ويتنافسون في إعداد أفضل الأطباق.

استمرت “أمينة” في دعم عائلتها، بينما أنهى ابنها “عمر” دراسته المدرسية وبدأ بدراسة علوم التغذية.

أما “سالم” فقد عاد لعمله، لكنه في كل مرة تقدم فيها “أمينة” صلصة جديدة، يمازحها بوضع إصبعه على نبضه ليفحصه أولاً!

في إحدى الأمسيات، وبينما كانوا يستعدون لتناول العشاء، دخل “بدر” إلى المطبخ بمفرده.

كانت هناك صلصة داكنة تغلي على النار.

سألها باهتمام:

— ما مكوناتها؟

— فلفل مجفف، عسل طبيعي، بهارات عربية، وقليل من الليمون.

اقترب “بدر” بحذر وتبسم:

— هل يمكنني أن أثق بها؟

تذوقت “أمينة” ملعقة صغيرة وقالت بثقة:

— الآن… نعم يمكنك.

أخذ “بدر” ملعقة أخرى وتذوقها بنفسه.

في الخارج، كانت أضواء المدينة تشتعل تحت السماء الهادئة.

نظرت “أمينة” إلى المطبخ المليء بالحيوية والأصوات، وتذكرت تلك الليلة التي ظن فيها الجميع أن طباخة بسيطة يجب أن تظل صامتة ولا يُلتفت إليها.

ابتسمت…

لأنه في بعض الأحيان، الشخص الذي لا يلاحظه أحد… يكون هو الوحيد القادر على رؤية الخطر الذي يعجز الجميع عن ملاحظته!

النهاية

خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *