صدمة خشة الدجاج- محمد نور
— “كنا نؤمن أنكِ كرهتناِ وقطعتِ أرحامنا..”
انخرطت “ليلى” في بكاء مرير:
— “بل ظننتُ أنكم نسيموني وتخليتم عني!”
انطوت الدقائق في عناق صامت بلا أسئلة، دموعٌ غسلت سنواتٍ من التضليل.
عرفوا لاحقاً كيف كان “طارق” يحظر الأرقام، ويمحو الرسائل، ويجيب على الاتصالات محذراً من أن “ليلى” لا تريد الحديث معهم. لم يحتج سوى لأكاذيب بسيطة كررها بإتقان ليقطع أواصر عائلة كاملة.
من عند الباب، كانت “أمينة” ترقب المنظر، واسترجعت مكالمة فيديو يعود تاريخها لعام ٢٠٢١؛ حين طلبت الحديث مع “ليلى”، فأخبرتها “طارق” بأنها نائمة، ثم سمعت صوت ارتطام في الخلفية.
— “ما هذا الصوت؟” سألت يومها.
— “سقطت منها صينية الطعام”، أجابها بسلاسة.
ولم تسأل هي أكثر حينها..
بدأت تلك الذكرى تطاردها كالكابوس.
اعترفت للمحامية بنبرة منكسرة: “أنا أيضاً أغمضت عيني وزغتُ ببصري..”
ردت المحامية: “يمكنكِ تحمل مسؤولية ما لم تلاحظيه، لكن لا تجعلي جنايات ابنكِ وقرارته خناقاً يلتف حول عنقكِ.”
دركت “أمينة” مغزى الكلمات، لكن استيعابها كان يحتاج وقتاً أطول.
بعد أسابيع، جاء يوم أدلت فيه “ليلى” بشهادتها أمام المحكمة.
كانت ترتدي ثوباً محتشماً وشعرها مرمم وملموم. وقبل دخول القاعة، التفتت إلى “أمينة”:
— “إن تعثرتُ في الحديث، انظري إليّ وشجعي بملامحكِ.”
— “سأظل أنظر إليكِ ولن أحيص عنكِ.”
كان “طارق” يجلس بجوار محاميه، يرمقها بذات الهدوء المصنوع الذي اعتاد استخدامه ليبدو عقلانياً أمام الناس.
تحاشته “ليلى” في البدء، ثم انطلقت تتكلم.
شرحت كيف أن عزلتها لم تبدأ ببابٍ مغلق، بل بدأت بإنقاص شأن صديقاتها، ثم التشكيك في أهلها، والأسئلة الاستجوابية اليومية عن زملائها.
تلا ذلك طلب كلمة سر هاتفها..
ثم الاستيلاء على أموالها..
ثم رقابة الاتصالات..
وقالت بنبرة تهتز لها الأركان: “وحين أفقتُ على واقعي، وجدتكُ قد أصبحتُ بلا أحد أستنجد به دون أن يعلم.”
حاول محامي “طارق” التشكيك بوقاحته الادعاء بأنها كانت تقيم بالمزرعة بإرادتها:
— “ألم يكن الباب الرئيسي مفتوحاً؟ هل كان بإمكانك الخروج؟”
تنفس عميقاً ثم أجابت:
— “الباب المفتوح لا يعني شيئاً.. عندما يقنعك أحدهم بأنه لا يوجد إنسان واحد في هذا العالم ينتظركَ في الخارج.”
خيم الصمت السكون على القاعة.