صدمة خشة الدجاج- محمد نور
كان والداها في الصف الأمامي، وبجوارهما “أمينة”. وعندما نُودي باسمها، سبقتها دموع والديها فرحاً قبل وصولها للمنصة.
بعد الحفل، أخرجت “ليلى” ملفاً أزرق.
توترت “أمينة”، فابتسمت “ليلى”:
— “لا تقلقي.. هذا الملف لا يخيف.”
كان داخله عقد إيجار شقة جديدة.
قالت “أمينة” بذهول:
— “هل ستستقلين بشقتكِ؟”
— “نعم.. أريد أن أجرّب الحياة في بيتٍ لا يتحكم أحدٌ بدخولي وخروجي، أو اتصالاتي.”
أغلقت “أمينة” الملف وقالت بابتسامة:
— “إذن هذا يحتاج إلى احتفال!”
بعد أسبوعين، انتقلت “ليلى” لشقتها ذات الشرفة المشمسة، واشترت أثاثاً بسيطاً ونباتات تزين المكان. وفي أول ليلة، أغلقت الباب وخاطبت القفل؛ طوال سنوات كان صوت القفل يعني السجن.. أما الآن فهو يعني أنها هي من تقرر من يدخل ومن يخرج.
بدأت “أمينة” هي الأخرى جلسات الدعم النفسي، لا لتبحث عن ثناء، بل لتعرف كيف تحب ابنها دون أن تتغاضى عن جرمه.
صار “طارق” يرسل رسائل من سجنه؛ الأولى كانت مبررات وأعذاراً ويلقي باللوم على الضغوطات و”ليلى”، فلم ترد عليها “أمينة”.
أما الرسالة الخامسة فكانت مختلفة؛ لم يطلب فيها مساعدة ولم يلم أحداً، بل ذكر أنه بدأ برنامجاً لإصلاح السلوك وأدرك كيف جعل السيطرة أسلوب حياته.
اتصلت “أمينة” بـ “ليلى”:
— “وصلت رسالة جديدة منه.. هل تحبين معرفة ما فيها؟”
صمتت “ليلى” لثوانٍ ثم قالت:
— “لا.”
تقبلت “أمينة” الأمر:
— “حسناً يا بنيتي.”
قالت “ليلى”: “لستُ بحاجة إلى تغيره كي أبدأ أنا عيش حياتي.”
بقيت تلك الجملة عالقة في ذهن “أمينة”.
بعد سنتين من حادثة خشة الدجاج، عادت “أمينة” للمزرعة للمرة الأخيرة قبل إتمام بيعها.
كانت الخشة هناك، خشبها قديم وقفلها علاه الصدأ.
اتصلت بـ “ليلى”:
— “هل أهدم المكان قبل البيع؟”
— “نعم.”
— “هل تحبين القدوم؟”
— “لا داعي لذلك.”
قام العمال بهدم السور والخشة، واحتفظت “أمينة” بقطعة صغيرة من القفل القديم.
وبعد أشهر أرتها لـ “ليلى”:
— “فكرتُ في رميها..”
— “ولِمَ لم تفعلي؟”
— “لتذكرني دائماً بأنه كان هناك بابٌ تأخرتُ كثيراً في فتحه.”
أمسكت “ليلى” بالقطعة المعدنية لبرهة وقالت:
— “تذكري أيضاً يا خالة.. أنكِ في النهاية فتحتِ ذلك الباب.”
لم تحتفظ “ليلى” بشيء من المزرعة، فلم تكن بحاجة لتذكر الخوف. أما “أمينة” فاحتفظت بها لا كعقاب، بل كتذكرة بأن حب الأبناء لا يعني أبداً التستر على أخطائهم وجرائمهم.