صدمة خشة الدجاج- محمد نور

— “الخلاف على المال أو المواعيد هو شأن زوجي.. أما احتجاز إنسانة، وتجويعها، واستغلال اسمها لتغريقها بالديون فذاك جرمُ مشهود وليس شأناً خاصاً!”

ساد الصمت، وقلت دعواتهم لها لاحقاً.

أدركت “أمينة” أن خسارة بعض الأقارب تؤلم.. لكن خسارة الضمير أشد إيلاماً.

رفضت “ليلى” العودة للمزرعة.

ظنت “أمينة” أنها قد ترغب في استصلاح المكان والبدء من جديد، لكن “ليلى” هزت رأسها:

— “لا أريد إثبات شجاعتي في المكان الذي ذقتُ فيه الخوف.”

تفهمت “أمينة” الأمر؛ باعت جزءاً من الأراضي واستأجرت شقة في المدينة. بدأت “ليلى” رحلة العلاج النفسي، واستردت وثائقها، وفتحت حساباً بنكياً خاصاً، واختارت لأول مرة كلمة سر لا يعلمها أحد غيرها.

كانت الأمور البسيطة هي الأصعب بالنسبة لها:

الدخول بمفردها إلى السوبرماركت..

النوم والباب مغلق..

سماع خطوات على الدرج..

أو التخلص من الطعام المنتهي الصلاحية.

لأسابيع، كانت تخبئ الكعك في حقيبتها. وفي أحد الأيام، وجدتها “أمينة” تخفي بضع قطع من الخبز في الدرج.

تجمدت “ليلى” رعباً:

— “أعتذر..”

شعرت “أمينة” بغصة في حلقها:

— “لا تعتذري أبداً.”

لم ترمِ الخبز، بل اشترت صندوقاً خشبياً جميلاً ووضعته في المطبخ:

— “إن كان وجود الطعام يريحكِ، فسيظل الطعام متوفراً دائماً.”

ومع مرور الأشهر، كفت “ليلى” عن استخدام الصندوق.. ليس لأن أحداً طلب منها ذلك، بل لأنها لم تعد بحاجة إليه.

استأنفت دراستها في المعهد الصحي بالمدينة.

وفي يومها الأول، أرادت “أمينة” مرافقتها.

— “إلى رأس الشارع فقط”، قالت “ليلى”.

وفي الأسبوع التالي، ذهبت بمفردها.

ثم بدأت التدريب العملي في دار لرعاية كبار السن.

وهناك، اكتشفت أن تجربتها القاسية جعلتها تلاحظ حزن الصامتين الذي لا يراه الآخرون. في إحدى الأمسيات، صادفت مسنّة تفزُّ مذعورة كلما دخل زوجها الغرفة.

انتظرت “ليلى” حتى انفردت بها وسألتها بهدوء:

— “هل تشعرين بالأمان في بيتكِ؟”

لم تجب المرأة، فلم تضغط عليها “ليلى”، بل قالت لها ببساطة إن بإمكانها طلب المساعدة وقتما تشاء دون استعجال.

وعند خروجها، اتصلت بـ “أمينة”:

— “اليوم عرفتُ لمَ أصررتُ على إكمال دراستي.”

— “لماذا يا بنيتي؟”

— “لكي أسأل الآخرين الأسئلة التي لم يطرحها عليّ أحد حين كنتُ بحاجة إليها.”

بعد نحو عام، تخرجت “ليلى” وحصلت على الشهادة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *