عودة من السفر – محمد نور

 

اليوم الذي عدت فيه وفي طفلي بين أذرعي.. والرجل الذي تخلى عني عند المذبح ظن أنها ابنته!

بعد خمس سنوات من هروب صقر من حفل زفافنا، عدت إلى البلاد لحضور جنازة والده.

لم أكن أتوقع رؤيته في المطار قط.

ولا سيما أنني لم أكن أتوقع أبداً أن يقف مسماراً في مكانه، متجمداً بلا حراك، بمجرد أن رآني أحمل طفلة نائمة بين ذراعي.

— أهي… ابنتنا؟

احمرّت عيناه على الفور.

خطا صقر خطوة نحونا ومدّ ذراعيه، كأن له الحق في احتضاننا.

تراجعت إلى الوراء.

— السيد صقر، يبدو أنك ملتبس الأمر. أنت وأنا لم تكن بيننا ابنة قط.

قبل خمس سنوات، كنا أنا وصقر ما يصفه الجميع بالثنائي المرسوم لهما اللقاء.

كبرنا معاً.

وكانت عائلاتنا صديقة منذ عقود.

ارتَدْنا مدارس متقاربة، وتشاركنا الدوائر الاجتماعية ذاتها، وحين تخرجنا في الجامعة، لم يفاجأ أحد عندما أعلنا خطبتنا.

ولا حتى أنا.

فقد كنت متيمة به منذ أن أن وعت عيوني على الدنيا.

وفي يوم زفافنا، وأمام مئات المدعوين، كنا للتو قد تبادلنا العهود حين رفع صقر الميكروفون.

نظر إليّ.

وقال:

— أنا آسف، سارة. أنا لا أحبك.

سمع القاعة بأكملها صوته.

أتذكر ذلك الصمت القاتل.

ثم التمتمات.

والنظرات المتبادلة.

وتعابير وجه أمي المكسورة.

ويد أبي التي كانت تقبض على قبضته بغضب.

بينما كنت أنا، بفستان زفاف أبيض اخترته بعناية طوال أشهر، أقف أمام الرجل الذي أحببته لأكثر من عشرين عاماً، لَيُحولني إلى أعجوبة الذل في المدينة بأسرها.

مضى صقر راحلاً.

بهذه البساطة.

وعرفتُ السبب لاحقاً.

لبنى.

المرأة التي كان يحبها حقاً.

بعد تلك الكارثة، قطعت عائلاتنا علاقاتها، وانتقلت عائلتي للعيش معي خارج البلاد.

ولم أعد أدراجي قط.

إلى الآن.

كان والد صقر قد وافته المنية، وأصرّ والداي، اللذان تقدما في السن وأصبح السفر شاقاً عليهما، أن أمثل العائلة نيابة عنهما.

لذا، هبطت من الطائرة ومعي ابنتي، ليلى، ومربيتي، ومساعدتي.

ولم يكن في تخيل قط أن أجد صقر في انتظاري عند مخرج القادمين.

لم تكن السنوات الخمس قاسية عليه.

فلا يزال طويلاً، أنيقاً، وبجاذبية طاغية.

كل ما في الأمر أن نظراته باتت تحمل بروداً أكبر.

وأكثر نضجاً.

في الماضي، كانت نظرة واحدة منه كفيلة بتسارع دقات قلبي.

أما هذه المرة، فلم أشعر بشيء البطلة الباردة.

— كم مضى من الوقت يا سيد صقر.

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *