عودة من السفر – محمد نور

حدق بي بدهشة:

— جيد؟!

— نعم. — ابتسمت بهدوء. — لأنه لو عاد بي الزمن وتغير ما حدث، لما التقيت بدانيال أبداً.

للمزيد من القصص المشوقة انضموا إلى جروبنا الجديد: روايات محمد نور

نظرت من خلال زجاج النافذة إلى الداخل؛ كان زوجي جالساً على الأرض يساعد ليلى في بناء برج من المناديل الورقية، بينما كانت ابنتنا تضحك بصوت عالٍ ودانيال يتظاهر بأن البرج ناطحة سحاب عملاقة.

وفي تلك اللحظة بالذات، أدركت الحقيقة الكاملة: طوال سنوات كنت أنظر إلى ذلك اليوم باعتباره أسوأ لحظة في حياتي، وربما كان كذلك، لكنه كان أيضاً الباب المؤدي إلى كل شيء جميل جاء بعده.

— أنا لا أبدل حياتي الحالية بأي حياة تخيلتها معك يا صقر.

أغمض عينيه بقوة، وسقطت دمعة حارقة أخرى على لحيته.

— هذا مؤلم.

— أتخيل ذلك.

— هل أحببتني حقاً يوماً؟

— جداً.

— والآن؟

— لم يعد هناك شيء.

أومأ ببطء، دون أن يحاول لمسي أو استعطافي. اكتفى بالإمساك بالعلبة الصغيرة بين يديه بقوة.

— اعتنِ بها جيداً.

— هل تقصد ليلى؟

— بل عائلتكِ.

لان وجهي قليلاً:

— سأفعل. وأنت أيضاً، اعتنِ بنفسك.

— وداعاً يا سارة.

— وداعاً يا صقر.

في صباح اليوم التالي، كنا في المطار. كانت ليلى تمشي بيننا متمسكة بأيدينا نحن الاثنين. وقبل أن نعبر بوابات التفتيش الأمني، سمعت مناديًا ينادي اسمي:

— سارة!

التفتت لأرى صقر يقف على مسافة قريبة، لم يقترب، اكتفى برفع يده ملوّحاً بصمت. رفعت يدي ملوّحة بدوري، ثم استدرت ومضيت. لم تكن هناك حاجة لأكثر من ذلك.

نظر إليّ دانيال متسائلاً:

— هل كل شيء على ما يرام؟

ابتسمت بثقة:

— نعم، تماماً.

شدّت ليلى يدينا وهي تهتف:

— هيا يا بابا وماما، أريد أن أجلس بجانب النافذة!

ضحك دانيال:

— صاحبة الجلالة قد أمرت!

سرنا معاً نحو بوابة المغادرة، ولم التفت خلفي أبداً.

قبل خمس سنوات، غادرت ذلك البلد وأنا أعتقد أن حياتي قد انتهت. كنت مخطئة تماماً. لم تنتهِ الحياة، بل انتهت قصة واحدة فقط؛ قصة كنت أمني نفسي فيها بأن يختارني شخص ما، قصة كنت أخلط فيها بين الألفة ووهم القدر، وبين قبول الحب السيء على أمل أن يصلحه الزمن.

لكن القصة التالية كانت مختلفة تماماً. فيها تعلمت كيف أختار نفسي أولاً، بنيت استوديوان خاصاً بي، ووقعت في غرام رجل لم يحتاج قط لإذلال امرأة أخرى ليثبت لي كم يحبني. ورزقت بابنة تشغل السرير كله كل صباح.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *