عودة من السفر – محمد نور

تغيرت عيناه.

— سارة…

— أتريد أن تعرف ماذا فعلت أمي؟ جلست أمام باب الغرفة ساعات طويلة لأنها كانت خائفة من أن أقدم على إنهاء حياتي!

— لم أكن أعلم…

— بالطبع لم تكن تعلم!

وانكسر صوتي للحظة قبل أن أتابعه:

— لأنك كنت مشغولاً بالركض خلف لبنى.

أخفض صقر بصره للأرض.

— غادرت البلاد بعد أسبوعين. واكتشفت أنني حامل بعدها بشهور.

رفع رأسه بذهول.

— إذن…

رفعت يدي ملوّحة.

— لا تكمل الجملة.

— لكن…

— لأن الطفل ليس منك.

فقد وجهه آخر قطرة من اللون. وبدا مشوشاً حقاً لأول مرة.

— كيف؟

— تماماً كما سمعت.

— لكنكِ…

توقف فجأة. وفهمتُ ما كان يدور في عقله.

طوال علاقتنا، لم يسبق لي أنا وصقر أن تجاوزنا الحدود. ليس لأنه لم يكن يريد، بل لأنني ببساطة، وربما بسذاجة بالغة، كنت أرغب في الاحتفاظ بذلك حتى ليلة زفافنا. ولذلك، كان هوسه بأن ليلى ابنته أمراً سخيفاً تماماً.

— أتفهم الآن؟ — قلتها ببرود.

فتح فمه وأغلقه عاجزاً عن الكلام.

— إذن… لمن تكون الطفلة؟

— لزوجي.

كانت الإجابة أبسط بكثير مما توقع، وأصدق ما يستحقه.

في تلك الليلة، عدت إلى الفندق مبكراً. ركضت ليلى نحوي فور أن فتحت الباب.

— ماما!

حملتها بين أراعي.

— هل اشتقتِ إليّ؟

— جداً جداً.

عَانقتْ رقبتي بطفولة.

— هل اتصل بابا؟

ابتسمت بحنان.

— بالتأكيد.

أعطتني المساعدتي الهاتف. كانت هناك ثلاث مكالمات فيديو فائتة. أعدت الاتصال، لتضيء الشاشة بوجه دانيال، زوجي.

— أخيراً. — ابتسم بسخرية لطيفة. — ظننتُ أن زوجتي هربت مني.

— خمس ساعات فقط.

— مأساة حقيقية.

ظهرت ليلى فجأة أمام الشاشة تلوح بيدها:

— بابا!

فتح دانيال عينيه مبالغاً في دهشته:

— أميرتي الصغيرة!

بدأت ليلى تحكي له تفاصيل يومها بحماس شديد. وبينما كنت أستمع إليهما، تسللت إلى روحي تلك الس\كينة التي لم يمنحني إياها سواه.

التقيت بدانيال بعد ستة أشهر من وصولي إلى الخارج. كنت حينها حطاماً بشرياً لامرأة تحاول لملمة أشلائها. كنت أعمل في شركة تصميم صغيرة وأتجنب أي تواصل عائلي أو عاطفي. وكان دانيال عميلاً للشركـة؛ أمريكي، محامٍ للشركات، مطلق، يكبرني بست سنوات، والأهم من ذلك كله: صبور للغاية.

لم يحاول قط إبهاري. لم يضغط عليّ. تحول أولاً إلى صديق، ثم إلى ذلك الشخص الذي يعرف متى يتركني وحدي، ومتى يظهر حاملاً كوباً من القهوة الساخنة دون طرح أسئلة مزعجة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *