عودة من السفر – محمد نور

طوال طفولتي، كان بمثابة أب ثانٍ لي. ولذلك، وعلى الرغم من كل ما حدث مع صقر، حضرتُ.

ارتديت الأسود، وتركت ليلى في الفندق مع المربية، وذهبت برفقة مساعدتي. كانت قصر عائلة صقر يعج بالحضور؛ رجال أعمال، أقارب، وأصدقاء قدامى للعائلتين. ولم يمضِ وقت طويل حتى بدأت الهمسات تعلو:

— أليست هذه سارة سالم؟

— هل عادت حقاً؟

— ظننت أنها استقرت في أوروبا بعد تلك الفضيحة…

قبل خمس سنوات، كانت تلك النظرات لتجعلني أتمنى أن تنشق الأرض وتصغرني. أما هذه المرة، فمشيت بين الحضور دون أن أنكس رأسي. لقد تعلمت درساً قاسياً بالعيش بعيداً: العار يلاحق من يرتدي الظلم، لا من يقع عليه.

اقتربت من صورة السيد صقر المعلقة، وضعت الزهور وانحنيت باحترام.

— استرح في قارورة السلام، عمي روبرت.

وحين رفعت نظري، وجدت صقر يراقبني من الطرف الآخر للقاعة. كان يرتدي بدلة سوداء، وبدت على وجهه علامات الإرهاق وعيناه غائرتين. ولأول مرة منذ عودتي، شعرت بشيء يشبه الشفقة. لقد فقد أباه، ومهما بلغ حجم شعوري بالمرارة تجاهه، فلن أسرّ يوماً لأحزانه.

اقتربت منه بهدوء.

— أعزيكم بملء قلبي في مصابكم.

حدق بي صقر مطولاً.

— أبي سأل عنكِ قبل أن يفارق الحياة.

شددت على حقيبتي أصابعي بلا إرادة.

— عني أنا؟

— قال إنه إن واتتك الفرصة وعدت يوماً… فيجب أن أعتذر لكِ نيابة عنه.

أخفضت عينيّ. لم يكن السيد صقر مطالباً بالاعتذار عن شيء، فالذنب ذنب ابنه وحده.

— لم يكن هناك داعٍ لذلك.

تنفس صقر بعمق.

— قال أيضاً إنني كنت أكبر أحمق عرفه على الإطلاق.

لم أستطع منع نفسي، فأطلقت ضحكة خفيفة. وابتسم صقر هو الآخر لثانية واحدة، لكن ذلك الهدوء العابر تكسر على الفور حين انطلقت صوت نسائي مألوف من خلفنا:

— سارة.

استدرت.

لبنى. المرأة التي تخلى صقر عن زفافنا من أجلها.

قبل خمس سنوات، كانت لبنى تُعرف بجمالها الآسر. وما زالت جميلة حتى اليوم، لكن إرهاقاً عميقاً كان مخبأ خلف مكياجها المتقن. كانت ترتدي ثوباً أسود وتقبض على حقيبتها الفاخرة بقوة جعلت مفاصل أصابعها بيضاء شاحبة.

— لبنى.

حدقت بي لعدة ثوانٍ.

— سمعت أنكِ عدتِ.

— من أجل الجنازة فقط.

هبطت نظراتها إلى يدي، وتحديداً إلى الخاتم الذي أرتديه.

— أتزوجتِ؟

— نعم.

رسمت شفتاه ابتسامة باردة لم تصل أبداً إلى عينيها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *