عودة من السفر – محمد نور
وأدركت أخيراً أن بعض الخسائر ليست عقاباً… بل هي تحرير متنكر في زي فاجعة.
سنوات بعد ذلك، علمت أن صقر ولبنى انفصلا نهائياً، حيث غادرت هي المدينة وبدأت حياة جديدة، بينما بقي صقر يدير أعمال عائلته ولم يتزوج قط. لا أعرف إن كان ذلك بسببي، وبصراحة، لم يعد يعنيني الأمر في شيء.
فالانتصار الحقيقي لم يكن أبداً أن يندم، ولا أن تطلب لبنى السماح، ولا أن يكتشف كل من شهد ذلي أنني بنيت حياة ناجحة.
الانتصار الحقيقي كان أبسط بكثير.
جاء في صباح عشوائي تماماً؛ دانيال يعد القهوة، ليلى تغني أغنية سخيفة في المطبخ، وأنا أراقب قطرات المطر على الزجاج. وحينها، حاولت عبثاً أن أتذكر صوت صقر وهو يقول: “أنا آسف، لا أحبك”. لكنني لم أستطع العثور على أي أثر للألم، ولا الغضب، ولا حتى الحزن.
فقط… مسافة آمنة.
وهناك أدركت أن الشفاء لا يعني نسيان ما فعلـوه، بل يعني تذكر الماضي دون أن يعود الجرح للنزف.
قبل خمس سنوات، تركني صقر عند المذبح ظاناً أنه يتخلص من عروس. لكنه في الواقع تخلى عن امرأة كانت ستفني عمرها لأجله. وفي المقابل، خسرت أنا أيضاً وهماً كبيراً، وبفضله… وجدت حياة حقيقية، دافئة، وأجمل بكثير مما تجرأت يوماً على الحلم بها.
قاطعت أفكاري ليلى وهي تركض لتعانق ساقي بقوة:
— ماما!
حملتها بين أراعي:
— ماذا هناك يا حبيبتي؟
— بابا يقول إنك أكلت آخر قطعة بسكويت تخصني!
نظرت نحو المطبخ، حيث كان دانيال يحاول جاهداً إخفاء ابتسامته الشقية.
— أقال ذلك؟
أومأت ليلى برأسها بجدية بالغة:
— إذن، سنضطر لفتح تحقيق رسمي.
— يالا للروعة!
رفع دانيال يديه مستسلمًا:
— أنا أطلب محامياً فوراً!
ضحكت من قلبي:
— يا له من حظ أنك واحد منهم!
وانفجرت ليلى ضاحكة معنا. وبينما كنت أستمع إلى ضحكاتهم تملأ المكان، تأكدت أن السعادة الحقيقية لم تكن أبداً تلك اللحظة الاستعراضية المبهرة أمام مئات المدعوين. لا تحتاج السعادة لزهور باهظة، ولا لفساتين باهظة الثمن، ولا لوعود براقة تقال أمام الحشود.
أحياناً، تكون السعادة أبسط بكثير من ذلك بكثير:
مطبخ فوضوي، طفلة تضحك بلا قيد، رجل يختار البقاء مهما كانت الظروف… وقلب عاد بعد انكساره ليعرف أخيرًا أين يكمن بيته الحقيقي.
النهاية
خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد