عودة من السفر – محمد نور

حاولت إغلاق الباب، لكنه مدّ يده ليعترضه.

— أمي تريد رؤيتكِ.

تسمّرتُ في مكاني. السيدة صقر. طوال سنوات كانت بمثابة أم لي، وقد فقدت زوجها للتو. كان ذلك كافياً ليجعلني ألين.

— سأزورها. ليس من أجلك.

كانت السيدة صقر أنحف بكثير مما تتذكرها ذاكرتي. وحين دخلت غرفتها، امتلأت عيناها بالدموع وضمتني بحرارة. ولثوانٍ معدودة، تبخرت السنوات الخمس. عُدت تلك الفتاة التي تقضي عطلات نهاية الأسبوع في منزلهم.

— أنا أسفة جداً لخسارتكِ يا عمتي.

هزت رأسها بأسف.

— روبرت ظل يندم حتى آخر أيامه على ما حدث معكِ.

— لم يكن ذنبه.

— ربما لا. لكننا نشعر بأننا خذلناكِ.

جلست بجانبها، ثم نظرت نحو الباب متسائلة:

— أين ابنتكِ؟

— في الفندق.

— رأيت الصور في الصحف.

— أخشى أن الجميع قد رأوها.

ترددت السيدة صقر قليلاً ثم سألت:

— أهي…؟

— كلا.

— أفهم ذلك.

لم تحمل ملامحها أي خيبة أمل، بل بدا على وجهها ارتياح غريب.

— جيد.

فاجأني ردها.

— جيد؟!

أغمضت عينيها العجوزتين.

— لأنه إن كانت ابنة صقر، فهذا يعني أن ذلك الأحمق خسر أكثر بكثير مما كنت أتخيل.

لم استطع منع ابتسامة خفيفة.

— ابنكِ مقتنع بالعكس تماماً.

— ابني كان دائماً عنيداً ومغفلاً.

صمتت قليلاً ثم أردفت بصوت منخفض:

— سارة، هناك شيء لم تعرفيه قط.

شعر بقبضة تخنق صدري.

— ما هو؟

— الليلة التي سبقت زفافكما، أتى صقر ليتحدث مع روبرت.

— هل كان الأمر يخص لبنى؟

— نعم.

— لا أظن أنني بحاجة لمعرفة المزيد.

— ربما أنتِ بحاجة لذلك. تنفست بعمق وقالت: لبنى أخبرته أنها حامل.

توقف قلبي في مكاني. هذا لم أكن أعلم به.

— صقر ظن أن الولد منه.

وتابعت العجوز:

— روبرت حاول إقناعه بأن يتحدث معكِ على انفراد، أن يؤجل الزواج، وألا يحرجكِ علناً.

— لكنه فعل العكس تماماً.

— نعم.

— إذن، هذا لا يغير شيئاً.

— لا، لكن هناك حقيقة أخرى.

نظرت إليها باهتمام:

— لبنى لم تكن حاملاً قط.

سرى شعور بالبرد القارس في ظهري.

— ماذا؟!

— اعترفت بذلك بعد أشهر من هربكِ.

عجزت عن الكلام.

— وهل كان صقر يعلم؟

— نعم.

— إذن…

هزت رأسها ببطء:

— لقد اكتشف أنه دمر زفافه بكِ من أجل كذبة اختلقتها امرأة.

فجأة، تجمعت خيوط القصة في رأسي؛ المكالمات التي لم أرد عليها، الرسائل التي حظرتها، ومحاولات التواصل في الشهور الأولى. ظننت دائماً أنه يريد تبرير فعلته، لكنه ربما أراد فقط قول الحقيقة. غير أن ذلك لم يعد يغير الجوهر شيئاً.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *