الأرض – محمد نور
— أنا ماشية يا ممدوح.
وقف مكانه لا يتحرك.
— رايحة فين؟
— أدور على عيشة أرحم، مش هقدر أفضل مستنية يمكن حاجة تتغير.
— بعد كل اللي مرينا بيه سوا؟
تجنبت مرفت النظر في عينيه.
— مش عايزة أعيش في الفقر، أنت راجل طيب، بس الراجل الطيب اللي من غير فلوس بيفضل فقير.
كانت تلك الكلمات أشد إيلاما من أي ضربة.
أمسكت بالحقيبة ومشت نحو الباب.
— يا رب تفهم في يوم من الأيام إن الحب مش بيفتح بيوت ولا بيدفع فواتير.
انغلق الباب الحديدي وبقي ممدوح وحده.
بدا البيت أكبر بكثير بدونها. وعلى الحائط فارق المكان الذي كانت تعلق فيه صورتهما معاً، حتى تلك الصورة أخذتها معها.
ظل جالسا لعدة ساعات ينظر إلى الأرض الترابية.
الحاج متولي حرمه من مصدر رزقه.
ومرفت حرمته من الأمل.
لكن مع حلول الليل، تغير شيء ما في داخله.
نظر من النافسة إلى قطعة الأرض الصغيرة المهملة خلف البيت. كانت أرضا لا قيمة لها في نظر أحد، قطعة منسية سمح له صاحب العمل باستخدامها منذ سنوات.
لمس ممدوح التربة بيده.
كان يعرف هذه الأرض أكثر من أي شخص آخر.
يعرف أين يوجد الماء، ويعرف أين يمكن للنبتة أن تقاوم وتحيا، ويعرف أن البذرة الصغيرة يمكن أن تتحول إلى شيء عظيم.
— أخذوا مني كل ما ظننت أني بحاجة إليه… لكن ما زالت لدي يداي.
في اليوم التالي، أخذ أداة عمله الوحيدة ذات القيمة، وهي مجرفة قديمة كانت لأبيه، إلى دكان العم إبراهيم ليحصل على بعض الطعام.
نظر العم إبراهيم إلى المجرفة بأسى.
— يا ممدوح، دي مجرفة أباك.
— عارف، بس محتاج دقيق وفول وأي حاجة أبدأ بيها.
— ومرفت؟
أطرق ممدوح رأسه.
— مشيت.
كان الخبر قد انتشر في القرية بالفعل.
تنهد العم إبراهيم.
— أقدر أأمنلك شغل في تنظيف حوض المية، بس عايزك تفهم حاجة: المجرفة دي قيمتها أكبر من الأكل اللي بتطلبه.
— مش عايز أخسرها يا عم إبراهيم، دي الحكاية الوحيدة اللي بتفكرني أنا مين.
بعد إتمام عمل شاق تحت أشعة الشمس، استرد ممدوح أداة أبيه. لكنه فهم شيئاً مهما: لم يعد بإمكانه الاستمرار في مقايضة جهده مقابل قروش قليلة.