الأرض – محمد نور
— بتقول كده لأنك مش عارف حاجة تانية، أنا عايزة عيشة مختلفة.
كان يحبها لدرجة أنه لم يرد أن يصدق أن تلك المرأة بدأت تخجل منه.
وجاءت المصيبة في صباح أحد الأيام عندما اتهمه الحاج متولي بإضاعة بعض أدوات المزرعة. كان ممدوح يعلم أن هذا غير صحيح، لكنه كان يعلم أيضا أن أحدا لن يصدقه.
— أنت مطرود، أنا تعبت من الإنفاق على رجل لا يعرف سوى تشغيل دراعاته.
— يا حاج متولي، أنا اشتغلت هنا كل السنين دي، وأنت عارف إني عمري ما سرقت حاجة.
— امشي من هنا قبل ما أخلي العمال يطردوك بالضرب.
عاد ممدوح إلى البيت وشخصه زائغ. كان يظن أنه سيجد على الأقل مساندة مرفت. لكن عندما فتح الباب، وجد حقيبة موضوعة على الطاولة.
كانت قد اتخذت قرارها بالفعل.
— أنا ماشية يا ممدوح.
وقف مكانه لا يتحرك.
— رايحة فين؟
— أدور على عيشة أرحم، مش هقدر أفضل مستنية يمكن حاجة تتغير.
— بعد كل اللي مرينا بيه سوا؟
تجنبت مرفت النظر في عينيه.
— مش عايزة أعيش في الفقر، أنت راجل طيب، بس الراجل الطيب اللي من غير فلوس بيفضل فقير.
كانت تلك الكلمات أشد إيلاما من أي ضربة.
أمسكت بالحقيبة ومشت نحو الباب.
— يا رب تفهم في يوم من الأيام إن الحب مش بيفتح بيوت ولا بيدفع فواتير.
انغلق الباب الحديدي وبقي ممدوح وحده.
بدا البيت أكبر بكثير بدونها. وعلى الحائط فارق المكان الذي كانت تعلق فيه صورتهما معاً، حتى تلك الصورة أخذتها معها.
ظل جالسا لعدة ساعات ينظر إلى الأرض الترابية.
الحاج متولي حرمه من مصدر رزقه.
ومرفت حرمته من الأمل.
لكن مع حلول الليل، تغير شيء ما في داخله.
نظر من النافسة إلى قطعة الأرض الصغيرة المهملة خلف البيت. كانت أرضا لا قيمة لها في نظر أحد، قطعة منسية سمح له صاحب العمل باستخدامها منذ سنوات.
لمس ممدوح التربة بيده.
كان يعرف هذه الأرض أكثر من أي شخص آخر.
يعرف أين يوجد الماء، ويعرف أين يمكن للنبتة أن تقاوم وتحيا، ويعرف أن البذرة الصغيرة يمكن أن تتحول إلى شيء عظيم.
— أخذوا مني كل ما ظننت أني بحاجة إليه… لكن ما زالت لدي يداي.
في اليوم التالي، أخذ أداة عمله الوحيدة ذات القيمة، وهي مجرفة قديمة كانت لأبيه، إلى دكان العم إبراهيم ليحصل على بعض الطعام.