الأرض – محمد نور
ضغط ممدوح على المجرفة وقال:
— قد لا أملك المال، لكن كلمتي لم تخذل أحداً يوماً.
ابتسم الحاج ابتسامة خفيفة:
— هذا هو الشيء الوحيد الذي كنت واثقاً منه فيك.
ثم انصرف دون أن يزيد كلمة.
لم يفهم ممدوح سر تلك الزيارة، لكنه قرر التركيز على تدبر البذور. توجه إلى الشيخ حمزة إمام المسجد، الذي كان يعلم بحاله.
أعطاه الشيخ خطاماً ورسالة إلى رجل يدعى صلاح، وهو تاجر يبيع بذوراً قوية التحمل.
بهذه المساعدة حصل ممدوح على كمية صغيرة من بذور الذرة الممتازة. لم تكن كثيرة، لكنها كانت فرصة.
على مدار أسابيع عمل بلا استراحة؛ في النهار يجهز الأرض، وفي الليل يرعى الشتلات الصغيرة التي بدأت تخرج من التربة.
نبتت الذرة قوية، لكن الحرارة اشتدت وقل الماء.
وفي لحظة يأس، اتخذ ممدوح قراراً خاطئاً.
في إحدى الليالي حفر قناة صغيرة لسحب جزيء من ماء حوض الحاج متولي نحو محصوله.
لم يكن يريد السرقة، بل أراد إنقاذ زرعه، لكنه كان يعلم أنه يتجاوز الحدود.
بعد يومين، ظهر الحاج متولي.
هذه المرة لم يصرخ، وكان ذلك أشد خطورة.
نظر إلى الخضرة ثم إلى القناة الصغيرة:
— ذرة جميلة يا ممدوح.
توقف قلب ممدوح وقال:
— تعبت كثيراً لأصل إلى هذا.
— لا تكذب عليّ.
أشار الحاج إلى الأرض:
— أخذت الماء من حوضي.
أنزل ممدوح رأسه فلم يستطع الإنكار:
— أنا آسف، ظننت أن المحصول سيموت إن لم أفعل.
— الخديعة الصغيرة تظل خديعة.
انتظر ممدوح الإهانات أو الطرد، لكن الحاج تنهد وقال شيئاً غير متوقع:
— أتعلم لماذا يزعجني هذا؟ لأنني أرى فيك الرجل الذي كنته أنا قديماً.
رفع ممدوح رأسه:
— أنت؟
— نعم، أنا أيضاً بدأت بلا شيء، وذقت طعم الجوع، الفرق أنني تعلمت كيف أستعمل عقلي.
ولأول مرة، رأى ممدوح شيئاً مختلفاً في ذلك الرجل، لم تكن طيبة، بل جرحاً قديماً.
— إذن لماذا كنت تعاملني كأنني بلا قيمة طوال هذه السنين؟
تأخر الحاج في الرد:
— لأنني رأيت فيك قوة لكنك كنت نائماً، كنت تقبل كل شيء، وكان يلزمك أن تفقد كل شيء لكي تستيقظ.
أربكت الإجابة ممدوح فقال: