الممرضة والزعيم – محمد نور
أما أدام، فقد مر برحلة تعافٍ شاقة طوال أشهر؛ الأسابيع الأولى بدون تلك المواد التسممية كانت مليئة بالآلام والأرق والانتكاسات الجسدية، لكنه بدأ يستعيد عافيته تدريجيًا:
* الأسبوع الرابع: ازداد وزنه.
* الأسبوع السابع: استغنى عن العكاز داخل القصر.
* الأسبوع العاشر: مشى في الحديقة بمفرده.
في اليوم الاخير من عقدي الممتد لثلاثة أشهر، وضعتُ تقريري النهائي على مكتبه.
نظر إليه أدام وقال:
— ما هذا؟
— إخلاء طرفي، فقد انتهت مهمتي التمريضية.
— جددي العقد.
— أنت لم تعد بحاجة لممرضة دائمة.
— أنا من يقرر ذلك.
— بل حالتك الصحية هي من تقرر، وأنت بخير الآن.
نهض أدام واقترب مني، وقال بنبرة خالية من القسوة لأول مرة:
— أميرة… لا أريدكِ أن تذهبي.
توقفتُ مكانها؛ لم يقل “أنا بحاجة لكِ”، ولا “سأدفع لكِ ضعف الراتب”، بل قال “لا أريدكِ أن تذهبي”.
قلتُ:
— هذا كلام مختلف.
— أحاول أن أتغير.
— ألاحظ ذلك.
— إذن أبقي.
— كممرضة؟ لا.
— وكمُاذا إذن؟
كان هذا السؤال المعلق منذ أسابيع.
كنتُ أعلم كيف ينظر إليّ، وكنتُ أعلم أنني بدأتُ أنتظر ابتساماته الصغيرة بشوق، لكنني قلتُ بثبات:
— لا شيء… طالما أنك ما تزال مريضي. عليك أن تتعلم كيف تعيش وتتعافى بمفردك أولاً، قبل أن تقرر ما إذا كنت تريدني في حياتك أم لا.
غادرتُ القصر دون دراما.
وخلال الشهرين التاليين، لم نتواصل كثيرًا، سوى برسائل قصيرة؛ صورة منه وهو يمشي في الحديقة، أو رسالة يخبرني فيها أنه أعاد ترميم صورة والدته المكسورة وضبط إطارها.
وبعد ثلاثة أشهر، وصلتني دعوة بسيطة منه للعشاء في مطعم هادئ، مدون في أسفلها: بدون ملف طبي، وبدون حراس، يرجى الحضور.
ذهبتُ، وكانت تلك الليلة بداية لشيء جديد.
تحدثنا لعدة ساعات عن كل شيء؛ عن الكتب، وعن عائلاتنا، وعن تطلعاتنا.
وبعد عامين من اللقاء الأول في ذلك البهو الرخامي، عاد أدام ليعيدني إلى نفس المكان، حيث وضع صورة جديدة لنا ونحن نبتسم معًا، وقدم لي خاتمًا يطلب فيه أن نبدأ حياة مشتركة لا يكون فيها أحدنا مجبرًا على إنقاذ الآخر، بل أن نعيشها معًا بملء إرادتنا.
وهكذا، لم تكن القصّة مجرد ممرضة أنقذت رجل مافيا، بل كانت قصة استعادة حياة وسعادة غابت لتسع سنوات كاملة.
خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد