الممرضة والزعيم – محمد نور

كما أنه لم يبتسم منذ تسع سنوات.

هذه المعلومة الأخيرة لم تكن مدونة في التقرير الطبي، بل أخبرتني بها هدى أثناء صعودنا الدرج:

— لا تحاولي إرضاءه.

— لم أكن أنوي ذلك.

— لا تسأليه عن والدته.

— حسناً.

— لا تلمسي أي شيء على مكتبه.

— جـيد.

— وإياكِ أن تعارضي الدكتور سامح أمامه.

توقفتُ:

— لماذا؟

توقفت هدى هي الأخرى:

— لأن الدكتور سامح يتابع حالة السيد أدام منذ حادث الاغتيال.

— هذا ليس جوابًا.

— بدأتُ أعتاد على أسلوبكِ.

وصلنا إلى باب مزدوج، فتحه أحد الحراس الشخصيين.

كان أدام واقفًا بجوار النافذة. طويلاً، ونحيفاً بدرجة لا تتناسب مع بنيته القوية. يرتدي قميصًا أسود، يسنِد إحدى يديه على عصا، بينما تقبض الأخرى على كؤوس ماء.

لم يكن يبدو مريضًا… بل يبدو خطيرًا ومُنهكًا.

التفتَ نحوي:

— كم تتوقعين أن تصمدي؟

لا سلام، ولا تعارف.

— يعتمد على الظروف.

ضيّق عينيه:

— على ماذا؟

وضعتُ الحقيبة على الطاولة:

— على الوقت الذي سأستغرقه لأعرف لماذا يعاني رجل في الحادية والأربعين من حمى متكررة، وآلام عضلية، وارتجاف، وقائمة أدوية تصرع حصانًا.

حبس الحارس أنفاسه، وإغماضت هدى عينيها.

تأملني أدام لعدة ثوانٍ:

— الممرضات السابقات كنّ أكثر تهذيبًا.

— ولهذا لم يعد لهن وجود هنا.

شيء ما حدث في ملامحه، خاطف جداً، لم تكن ابتسامة، ولكنها كادت أن تكون.

وقال:

— قيسي حرارتي.

فعلتُ ذلك: 38.2.

ثم الضغط، فالنبض، فنسبة الأكسجين.

تفحصت أيدولوجيا أدوية مريضنا، وهناك وجدتُ أول خيط لا يستقيم؛ جرعتان ليليتان مكررتان ولكن بأسماء تجارية مختلفة.

— من يجهز هذا؟

— الدكتور سامح.

— دائمًا؟

— منذ سنوات.

نظرتُ إلى أدام:

— أريد إجراء تحاليل جديدة.

— أجريتُ المئات منها بالفعل.

— لكنني لم أجرِ أيًا منها بنفسي.

— وهل يفترض بذاك أن يطمئنني؟

— ليس بالضرورة.

هذه المرة رأيت بوضوح طرف شفته يرتفع قليلاً، ورأت هدى ذلك أيضًا.

خلال الأسابيع الثلاثة التالية، بدأتُ ألاحظ أمورًا غريبة؛ كان أدام يسوء حاله بعد حقن معينة، ونوبات الحمى كانت تتزامن مع أيام محددة. نتائج التحاليل الأصلية لم تكن تتطابق دائمًا مع النسخ المحفوظة في الأرشيف، وكان هناك من يعدّل المواعيد في ملفه الطبي بعد أن أوقع عليها بنفسي.

أبلغتُ بالأمر، فضحك الدكتور سامح:

— يا أنسة أميرة، أنتِ هنا منذ ثلاثة أسابيع فقط، وأنا أعالجه منذ تسع سنوات.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *