عاد زوجي من الجيش – محمد نور
كان يجلس قرب النافذة وقد نحف جسده. عندما رآني، أضاء وجهه وتمتم:
— مريم…
جلستُ بجانبه وأمسكتُ يده الباردة. قال بلسانه الثقيل:
— طارق… ولد صالح…
ابتلعت غصتي؛ ففي عقله المتعب، كان طارق لا يزال طفله الصغير. لم أرد تدمير تلك الصورة في ذهنه، فقلت له:
— ارتاح يا عمي… ارتاح.
عندما هممت بالرحيل، تمسك بيدي وسألني:
— غداً؟
دمعت عيني وقلت:
— لا أستطيع الوعد بغد…
ابتسم بضعف: “جيد… جيد…”
خرجتُ وأنا أبكي، لكنني لم أعد لرعيته. زيارة المريض عاطفة وإحسان، لكن دمار حياتك لأجل إهمال الآخرين استغلال، وقد تعلمت الفرق أخيراً.
حياة جديدة
بعد سنة ونصف…
بعتُ بعض أثاثي، وتركتُ الشقة القديمة بكل ذكرياتها وأدويتها وروائحها. استأجرتُ شقة صغيرة بنوافذ واسعة يدخلها النور.
في اليوم الأول، نمتُ حتى العاشرة صباحاً… لا هاتف يرن، لا أدوية تُحضر، ولا أحداً يصرخ باسمي! استيقظتُ على صوت الصمت… صمتي الخاص والجميل.
عدتُ للعمل في شركة لوجستية براتب بسيط، واجتهدتُ حتى ترفعتُ بعد 6 أشهر. ولأول مرة، اشتريتُ لنفسي سريراً كبيراً ومريحاً من مالي الخاص. استلقيتُ في منتصفه ومددتُ ذراعيّ وضحكت من قلبي… السرير لي، الغرفة لي، والحياة كلها لي!
يوسف، المحامي والصديق، كان يتردد عليّ بين الحين والآخر. وفي إحدى الليالي قال لي بتبسم:
— أتعلمين أنني لم أعد محاميكِ الآن؟
— أعلم.
— إذن، هل يمكنني دعوتكِ على العشاء كشخص طبيعي؟
توردت وجنتاه فابتسمتُ وقلت:
— ربما…
لم أستعجل شيئاً، فقد تعلمتُ أن الوحدة ليست حالة طوارئ، وأنني لستُ بحاجة لاستبدال رجل بآخر، بل بحاجة لاكتشاف مريم من جديد.
المكالمة الأخيرة
وردني اتصال من رقم مجهول… كان طارق. قال بصوت هادئ ومكسور:
— أبي توفي هذا الصباح…
أغمضتُ عيني وبكيتُ حزناً عليه:
— رحمه الله…
— في أيامه الأخيرة كان يسأل عنكِ… ووجدتُ دفتر مذكرات قديم له، كتب فيه عبارة واحدة بخطه الضعيف: “هذه الفتاة تتعب كثيراً… طارق محظوظ بها، وأتمنى أن يعرف قيمتها”.
ساد الصمت، ثم قال طارق وهو يبكي:
— لم أعرف قيمتكِ يا مريم…
في الماضي، كنتُ مستعدة لتقديم أي شيء لأسمع منه هذه الكلمة، لكن الاعتذار الذي يأتي بعد فوات الأوان لا يفتح أبواباً أُغلقت بالكرامة.
قلتُ بهدوء:
— نعم يا طارق… لم تعرف.