عاد زوجي من الجيش – محمد نور
عندما وصل طارق ذلك المساء، اندلعت الشجار الأول بينهما قبل أن يخلع معطفه:
— أنت قلت إن والدك سيبقى مع مريم!
— ولم أكن أعلم أنها ستجره إلى هنا!
— خذه من هنا فوراً!
— إلى أين أذهب به؟!
— هذه مشكلتك!
المرأة التي اتصلت بي لتقول “لا داعي للقلق بشأن طارق” اكتشفت في نفس اليوم أن الاحتفاظ برجل عاشق أسهل بكثير من تحمل تبعات حياته ومسؤولياته!
استأجرا ممرضة، لكنها استقالت بعد 48 ساعة. واستأجرا أخرى، فطلبت ضعف الأجر عندما رأت حالة الشيخ الصحية، فرفضت ريم.
ثلاثة أيام قضاها عمي مهتملاً ومتروكاً، حتى حدث ما غير المجرى…
سمعت الخادمة “تريزا” أنيناً خافتاً من غرفة الخدم، وعندما فتحت الباب وجدت الشيخ ملقى على الأرض بعدما حاول النهوض من كرسيه، حيث ظل لاهثاً لساعات يعاني من الجفاف والحمى!
اتصلت الخادمة بالإسعاف فوراً، فصرخت ريم بوجهها:
— من سمح لكِ بهذا؟!
قالت الخادمة كلاماً كرروه لاحقاً أمام المحققين:
— لا أحتاج إذناً من أحد لأمنع موتاً إنسانياً على الأرض!
نُقل عمي إلى المستشفى، وسُجلت حالته كإهمال طبي جسيم.
وهنا… اتصل بي طارق!
أجبتُ لأن الاتصال جاء من هاتف المستشفى:
— مريم… أبي في المستشفى.
لم أشعر بالشماتة، بل بجهد وتعب شديدين. رعيت هذا الرجل لثلاث سنوات، ورغم غضبي من ابنه، لم أكن أتمنى له الأذى.
— ماذا حدث؟
تأخر طارق في الرد:
— سقط…
— وأين كانت الممرضة؟
— لم تكن هناك ممرضة حينها…
أغلقت عيني وسألت:
— طارق… أين ريم؟
— لا شأن لريم بهذا!
— إذن لماذا تتصل بي؟
ساد الصمت، ثم نطق بالعبارة التي كنت أعلم أنها قادمة:
— أحتاجكِ لتعودي وترعيه…
ضحكتُ رغماً عني:
— عفواً؟!
— لفترة مؤقتة فقط، حتى أحل بعض الأمور!
— أمور مثل الـ 300,000 ريال؟
— مريم… أرجوكِ، أبي يحبكِ ويرتاح لكِ!
تلك الكلمة آلمتني حقاً… لأنها كانت حقيقة؛ فالشيخ اعتاد عليّ، وكنتُ أنا من يطعمه ويداويه وينظفه. لكن طارق كان يستغل عاطفة رجل مريض لابتزازي!
قلت بقسوة:
— إن كان والدك بحاجة لرعاية إضافية، فاستأجر له ممرضة مركزة!
— لا أملك سيولة حالياً!
— كان معك 300,000 ريال!
— قلت لكِ استثمرتها!
— إذن فك الاستثمار!
وأغلقت الخط.
بكيتُ لمدة عشر دقائق بعد ذلك الاتصال… وضع الحدود لا يعني أن قلوبنا قد تبلدت، لكن التضحية بالنفس مجدداً كانت خطاً أحمر.