الوصية- محمد نور
كانت تقول لأصحابها:
«سلمى بتشتغل بإيديها.»
بنفس النبرة اللي ممكن واحدة تتكلم بيها عن بنت عندها مشكلة.
أما داليا، فكانت عملت كل حاجة أمي تعتبرها صح.
مااشتغلتش يوم، وما بنتش حاجة، وفضلت قريبة من أمي، تردد كلامها، وتوافقها، وتبقى جميلة وهادية ومطيعة.
وعشان كده أمي كانت بتحبها.
كبرت وأنا فاهمة إن في بنتين في البيت ده، لكن واحدة بس هي المهمة.
داليا.
لما داليا كانت ترسم رسمة وهي صغيرة، أمي كانت تعلقها على التلاجة وبعدها تحطها في برواز.
أما لما أنا كنت أعمل حاجة بإيدي، بيت خشب صغير للطيور، أو عربية لعبة، أو أباجورة من قطع خردة، أمي كانت تبص لي وتقول:
«إنتِ ليه إيديك دايمًا متوسخة يا سلمى؟»
كأن مجرد إني بصنع حاجة بإيدي كان عيب.
داليا كانت بتاخد دروس رقص، وتلبس هدوم غالية، وتعمل حفلات أعياد ميلاد كبيرة.
أما أنا، فكنت البنت «الصعبة».
وفي قاموس أمي، ده كان معناه ببساطة إني مش بعكس صورتها زي داليا.
والغريب إني وأنا طفلة ماكنتش حتى بكره داليا.
كنت فاهمة بس إن أي دفء موجود في البيت ده بيتوزع عليها، وإن دوري أنا إني أحتاج أقل.
وبقيت فعلًا شاطرة جدًا في إني أحتاج أقل.
لكن كان في مكان واحد الدنيا فيه كانت مختلفة.
مكان أمي ماقدرتش تدخل إليه.
المكان ده أنقذ حياتي.
وكان له علاقة بأبويا، وبشعلة اللحام، وبعصفورة صغيرة من الحديد.
أبويا، محمود الشامي، بنى شركة الشامي لأعمال الحديد من الصفر.
كان بيشتغل بإيده قبل ما يبقى عنده فلوس كفاية يشغل عمال.
وعشان كده كان الشخص الوحيد في العيلة اللي فاهم أنا بعمل إيه وليه بحبه.
لما كان عندي تسعتاشر سنة وقلت لهم إني مش هكمل في الجامعة وإني عايزة أتعلم مهنة اللحام، أمي ماكلمتنيش شهر كامل.
لكن أبويا أخدني معاه للورشة.
وقفني وسط العمال، حط شعلة اللحام في إيدي، وعلمني إزاي أعمل خط لحام مظبوط.
وقال لي وسط صوت الغاز ورائحة الحديد السخن:
«الباقيين شايفين إن الشغل ده أقل من مستوانا يا سلمى.»
وبعدين رفع إيديه اللي كانت مليانة آثار حروق وجروح قديمة.
وقال: