الوصية- محمد نور
«هما نسوا الفلوس دي جت منين. جت من إيدين زي دي.»
بصيت لإيديه وقتها، ولأول مرة في حياتي حسيت إني يمكن فعلًا أنتمي لحد.
في أول شهور تدريبي، خدت شوية خردة حديد وشكلتهم على هيئة عصفورة صغيرة.
كانت معوجة، جناح أكبر من التاني، واللحامات واضحة وقبيحة.
قدمتها له في عيد ميلاده.
لما أمي شافتها قالت:
«إيه ده؟ دي المفروض تبقى إيه؟»
لكن أبويا مسكها وقلبها بين إيديه، وبص للحامات المعوجة وقال:
«دي هي اللي عملتها بشعلة اللحام.»
وأخد العصفورة وحطها على مكتبه في البيت، جنب تليفونه.
وفضلت هناك أربع عشرة سنة.
ولما كان العملاء أو شركاؤه يسألوه عنها، كان يقول لهم:
«بنتي هي اللي عملتها بإيديها.»
عايزكم تفتكروا العصفورة دي.
لأنها هتبقى أهم من الستة ملايين جنيه.
وبنهاية الحكاية هتفهموا ليه.
فتح الأستاذ فريد الملف الجلدي، وساد الصمت.
وبدأ يقرأ الكلام القانوني المعتاد:
«أنا محمود الشامي، بكامل أهليتي العقلية…»
كنت ببص على إيد أمي المتشابكة فوق الترابيزة.
كانت ثابتة تمامًا.
لأن أمي كانت متأكدة إنها عارفة إيه اللي جاي.
وكان عندها سبب يخليها واثقة.
وفاة أبويا ماجتش فجأة.
كان مريض بقاله تقريبًا سنة.
وخلال السنة دي، أمي بدأت تحط نفسها في كل حاجة.
بقت المسؤولة عن رعايته، وعن أموره، وعن تحديد مين يزوره.
وفي نفس الوقت، كانت بتحكي لكل الناس إن علاقتي بأبويا بقت بعيدة، وإن شغلي في ورشة الحديد أهم عندي منه، وإنني اختفيت وقت هو كان محتاجني فيه.
ولا كلمة من ده كانت حقيقية.
الحقيقة إن أمي هي اللي كانت بتتحكم في دخولي عليه.
لما كنت أتصل، تقول:
«هو نايم.»
ولما أروح، تقابلني عند الباب:
«الدكتور قال ممنوع أي ضغط عليه النهارده.»
وأحيانًا كانت تقول:
«وبعدين يا سلمى، إنتِ ريحتك كلها حديد وشغل. مش هينفع تدخلي عليه كده.»
وكانت كدابة.
لأن رائحة الحديد السخن كانت أكتر ريحة أبويا بيحبها.
وبعدها نقلت تليفونه، وبقت ترد على رسائله بنفسها.
كانت بتبني حائط بيني وبين أبويا، وبعدين تخرج للناس وتقول إن المسافة دي أنا اللي عملتها.