طردتني بعد الولادة – محمد نور

— «في المشمش.»

فايزة مدّت إيدها بغل عشان تخطف البيبي مني.

في اللحظة دي، باب الشقة الكبير اتفتح.

أمي دخلت وفي إيدها حافظة الطعام الحرارية.

شافت الصالة مليانة ناس، وشي الأبيض زي الفرخة المذبوحة، البيبي محشور في حضني، وإيد فايزة متعلّقة في الهواء.

صوت أمي نزل في الصالة زي الصاعقة:

— «مين ده اللي يتجرأ يمد إيده على بنتي؟!»

فايزة غيرت نبرتها في ثانية للتمثيل:

— «يا أهلاً يا حجة، جيتي في وقتك! بنتك دلوعة ومش قادرة تنشف، وإحنا بصراحة مش فاضيين لطلبات الهوانم دي!»

أمي ولا عبرتها ولا بصت لها حتى.

مشيت ناحيتي على طول، وأول ما شافت وشي، عينيها اتملت دموع:

— «نورهان… يلا بينا يا ضنايا.»

هزيت رأسي.

تامر اتكلم من ورايا وبصوت ناشف:

— «لو خطيتي برة الباب ده النهاردة، ما ترجعيش تعيطي وتترجي!»

عديت من جنبه ولا كأني سمعته:

— «اللي هيعيط ويتمنى الزمن يرجع مش أنا يا تامر.»

قبل ما أخرج، بصيت على الشقة بصة أخيرة.

نجفة الصالة دي أنا اللي نقيتها.

الباركيه ده أنا اللي وقفت على إيد العمال وهو بيركب.

المطبخ ده أنا اللي دافعة ثمنه من جايبي.

في الحقيقة… الشقة دي كلها أنا اللي شرياها.

قبل ما أتجوزه.

كاش، ومن معادي الخاص.

والعقد مكتوب باسمي أنا وبس.

عاشوا فيها سنتين ببلاش، لدرجة إنهم نسوا مين صاحب الملك الأصلي!

في عربية أمي، ما نزلتش مني دمعة واحدة.

طلعت التليفون وبعتت رسالة للسمسارة:

«اعرضي شقة الجواز للبيع. بكرة الصبح. وبأسرع سعر.»

تاني يوم الصبح، الساعة تسعة بالظبط، كانت يافطة «للبيع» متعلقة على باب العمارة وعلى البلكونة.

ولما فايزة رجعت من السوق وشافتها، شنطة الخضار وقعت من إيدها في الشارع.

تليفوني رن.

رديت ببرود.

صريخها كان جاي يخرم أذني من السماعة:

— «يا نورهان! انتي اتجننتي ولا جرى لعقلك حاجة؟! إزاي تتجرأي تبيعي بيتنا؟!»

ابتسمت وابتسم ابن نايم في حضني في هدوء:

— «بيتنا؟»

الجزء الثاني والأخير

وقف النَفَس في حلق «فايزة» على الناحية التانية من الخط.

لثواني كاملة، ماكنتش سامعة غير صوت أنفاسها وهي بتتخنق بالغل.

كنت قاعدة في الأوضة اللي اتولدت وكبرت فيها في بيت أمي، وابني نايم في سرير صغير أمي اشترته له في نفس الصباحية.

كانت ريحة البيت دافية؛ شوربة فراخ بلدي، غسيل نظيف، وراحة بال… راحة بال عميقة لدرجة إن صريخ حماتي كان جايلي وكأنه من حباية في دنيا تانية.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *